د. حسين العالم يكتب :الغربال +..القوى المناهضة للحرب أمام الخماسية.. عقوبات تُثير الجدل وحوارٌ ينتظر التوافق
متابعات مرآة- السودان

القوى المناهضة للحرب أمام الخماسية.. عقوبات تُثير الجدل وحوارٌ ينتظر التوافق
تفتح الورقة التي قدمتها القوى السودانية المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أطرافها إلى الآلية الخماسية باباً مهماً للنقاش حول إنهاء الحرب وإدارة العملية السياسية، من خلال مقترحات تشمل تشكيل لجنة تحضيرية من 40 عضواً، وإطلاق مسارات متزامنة للسلام الإنساني والعسكري والسياسي، وتوسيع حظر السلاح، وفرض عقوبات على شبكات تمويل الحرب، خصوصاً المرتبطة بتجارة الذهب.
ورغم أهمية هذه المقترحات في الانتقال من الدعوات العامة إلى وضع تصور عملي للسلام، فإن نجاحها يتوقف على معالجة أسئلة جوهرية: هل تؤدي العقوبات إلى إضعاف الأطراف المتحاربة أم تزيد معاناة المواطنين؟ وهل يمكن بناء حوار وطني حقيقي على أساس إقصاء بعض القوى السياسية؟ وما الدور الذي ينبغي أن تؤديه الآلية الخماسية لتوحيد المبادرات السودانية بدلاً من تركها تتنافس فيما بينها؟
العقوبات.. من يدفع الثمن؟
تدعو الورقة إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وفرض عقوبات على الشركات والشبكات المتورطة في إنتاج الذهب أو تهريبه أو تصديره لصالح أطراف الحرب. وهي مقترحات تستند إلى محاولة تجفيف منابع التمويل والتسليح، والضغط على المتحاربين لحملهم على التفاوض.
لكن التجربة السودانية خلال العقوبات التي رافقت حكم الرئيس السابق عمر البشير لنحو ثلاثين عاماً تفرض التوقف عند النتائج؛ فقد تحمل المواطنون أعباء العزلة الاقتصادية وصعوبات التجارة والتمويل، بينما لم تكن معاناتهم كافية لدفع النظام إلى التخلي عن السلطة، بل ظل البشير يسعى إلى استمرار حكمه.
ولا يعني ذلك أن العقوبات لا تؤثر في الحكومات، أو أن جميع أزمات السودان كانت نتيجة لها، وإنما يؤكد أن العقوبات ليست غاية في ذاتها، وأن أثرها يتوقف على قدرتها على استهداف مراكز القرار ومصادر تمويل الحرب، بدلاً من تحميل المجتمع كلفتها الأكبر.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس رفض العقوبات بإطلاق، بل مراجعة طبيعتها وآليات تنفيذها، وتوجيهها نحو شبكات التسليح والتمويل والتهريب والجهات المتورطة في إطالة الحرب، مع حماية المدنيين والأنشطة الاقتصادية المشروعة والخدمات الإنسانية.
فاستهداف شبكات الذهب المتورطة في تمويل القتال يختلف عن فرض قيود واسعة تضر بعمال التعدين وأسرهم، كما أن حظر المعدات العسكرية يجب ألا يتحول إلى عائق أمام الطيران المدني والإغاثي والخدمات الضرورية.
السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الخماسية ليس: كيف نزيد العقوبات؟ بل: كيف نجعل أي ضغط دولي أداة لإنهاء الحرب، لا سبباً إضافياً لمعاناة السودانيين؟
لجنة الأربعين.. هل تنهي الاصطفاف أم تعيد إنتاجه؟
تقترح الورقة لجنة تحضيرية من أربعين عضواً، بواقع عشرين ممثلاً للقوى غير المصطفة مع طرفي الحرب، وعشرة للقوى المصطفة مع القوات المسلحة، وعشرة للقوى المصطفة مع الدعم السريع.
وتكمن إيجابية هذا التصور في محاولة منع احتكار أي معسكر للعملية السياسية، لكنه يثير إشكالاً يتعلق بجعل الاصطفاف السياسي أساساً رئيسياً للتمثيل، بما قد ينقل انقسامات الحرب إلى اللجنة نفسها.
فالسودانيون لا ينحصرون في معسكرين عسكريين، كما أن الاختلاف في المواقف السياسية لا يعني بالضرورة الانحياز إلى أحد طرفي القتال.
لذلك، من الأجدى أن تقوم اللجنة على معايير متوازنة تجمع بين التمثيل السياسي والجغرافي والمجتمعي، وتضمن مشاركة النساء والشباب والمهنيين ومنظمات المجتمع المدني والنازحين واللاجئين، إلى جانب القوى ذات الصلة بوقف الحرب والترتيبات الأمنية.
كما ينبغي أن تكون اللجنة أداة لتنظيم الحوار، لا سلطة تمنح الشرعية أو تسحبها، ولا جهة تحتكر تحديد مستقبل السودان.
الإقصاء السياسي.. عقبة أمام السلام
يثير مقترح استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من المشاركة السياسية تساؤلات مهمة حول حدود الإقصاء ومعاييره.
فالمساءلة عن الجرائم والانتهاكات، ومنع إعادة إنتاج التمكين والفساد، مطالب مشروعة لا ينبغي التهاون فيها. لكن تحقيقها يتطلب التمييز بين المسؤولية القانونية الفردية، والانتماء السياسي، والمشاركة في الحياة العامة.
فلا يجوز أن تتحول المساءلة إلى عقاب جماعي، كما لا يجوز استخدام الحوار غطاءً لإعفاء المسؤولين عن الجرائم من المحاسبة.
والحل هو وضع معايير قانونية واضحة للمشاركة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، أياً كان انتماؤه، مع إخضاع أي قيود انتقالية لمبررات معلنة وضوابط محددة.
لا سلام بالإفلات من العقاب، ولا عدالة بالإقصاء الجماعي، ولا دولة مستقرة إذا ظل الخلاف السياسي مبرراً لنزع حق الآخرين في المشاركة.
من نيفاشا إلى الحرب الراهنة.. دروس لا يجوز تجاهلها
تكشف التجارب التاريخية أن الحسم العسكري لا يضمن وحده إنهاء جذور النزاع، كما أن توقيع الاتفاقات لا يكفي لضمان استدامة السلام.
فقد أنهت اتفاقية نيفاشا عام 2005 الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، لكنها لم تمنع انفصال الجنوب عام 2011، في سياق تاريخي معقد من الخلافات والمظالم السياسية والاقتصادية.
والدرس هنا أن وقف الحرب ينبغي ألا يقتصر على تفاهم بين القيادات العسكرية أو النخب السياسية، بل يجب أن يؤسس لدولة عادلة، ومؤسسات وطنية مهنية، ومشاركة سياسية واسعة، ومعالجة حقيقية لقضايا السلطة والثروة والهوية والعدالة.
وفي السودان الراهن، قد تتغير موازين القوى العسكرية، وقد تزداد الضغوط الاقتصادية والدولية، لكن أياً من هذه التطورات لا يغني عن تسوية سياسية تعالج أسباب الحرب وتمنع تجددها.
لذلك، فإن الأولوية العاجلة هي وقف القتال، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، بالتوازي مع التحضير لحوار وطني يحدد مستقبل الدولة.
الخماسية ولجنة تهيئة الحوار.. من التنافس إلى التكامل
تتطلب المرحلة الراهنة دوراً إيجابياً من الآلية الخماسية، لا يقتصر على استقبال الأوراق والمقترحات، بل يمتد إلى التوفيق بين القوى التي أعدت الورقة ولجنة تهيئة الحوار السوداني، وسائر المبادرات الوطنية.
فليس هناك تعارض ضروري بين إعداد تصور سياسي للسلام والعمل على تهيئة المناخ للحوار؛ إذ يمكن أن يكمل المساران أحدهما الآخر إذا اتضحت الأدوار وتوحدت الجهود.
والمطلوب هو عقد لقاء تشاوري يجمع الأطراف المعنية لمناقشة نقاط الاتفاق والاختلاف، وتطوير تصور مشترك للتحضير للحوار، وتحديد جدول زمني واضح للانتقال من مرحلة التهيئة إلى مرحلة التحضير الفعلي.
تهيئة المناخ ليست هي الحوار، والتحضير للحوار ليس بديلاً عنه؛ بل مراحل متكاملة ينبغي أن تقود إلى عملية سياسية سودانية جامعة.
وعلى الخماسية أن تساعد في بناء هذا المسار، مع توفير الدعم والضمانات الدولية اللازمة، دون فرض حلول جاهزة أو منح جهة بعينها حق احتكار تمثيل السودانيين.
الخلاصة: الإنسان أولاً
إن الورقة المقدمة إلى الخماسية تستحق النقاش والتطوير، لكنها تحتاج إلى مراجعة المقترحات التي قد تزيد الأعباء على المواطنين، وإعادة النظر في معايير تشكيل اللجنة التحضيرية، وتبني مقاربة متوازنة للمشاركة السياسية والعدالة.
والأهم أن تتجه الجهود نحو توحيد المبادرات السودانية، بدلاً من تحويلها إلى مسارات متنافسة، وأن تصبح الآلية الخماسية جسراً للتوافق بين أصحابها ولجنة تهيئة الحوار، لا طرفاً يفرض تصوراً على آخر.
فالسودان لا يحتاج إلى مبادرة تنتصر على مبادرة، ولا إلى عقوبات يدفع المواطن ثمنها بينما يواصل المتحاربون قتالهم، ولا إلى حوار يبدأ بتحديد المستبعدين قبل الاتفاق على قواعد المشاركة.
إنه يحتاج إلى وقف الحرب، وحماية الإنسان، ومساءلة المسؤولين عن الجرائم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة والعدالة.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه الإقصاء، ولا تضمنه العقوبات وحدها، بل يؤسسه حوار سوداني سوداني يشارك فيه السودانيون، وتُصان فيه كرامة الإنسان، وتكون فيه وحدة الوطن ومستقبل أجياله فوق المصالح الحزبية والعسكرية.










