د. حسين العالم يكتب :الغربال +..رحل ابن عمر الذي عرفته المنابر.. وبقيت أسئلته الجريئة
متابعات مرآة- السودان

رحل ابن عمر الذي عرفته المنابر.. وبقيت أسئلته الجريئة
رحل عن دنيانا الفانية ابن عمر محمد أحمد، أحد الأسماء البارزة في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية، وصاحب الصوت الخطابي المميز والفكر الذي اتسم بالعمق والجرأة، تاركاً وراءه سيرةً تختلط فيها صفحات العمل الدعوي والسياسي بأسئلة التجربة ومراجعاتها، وشهاداتٍ تستحق أن تُقرأ بعيداً عن ضجيج الخصومات السياسية.
لم يكن ابن عمر مجرد خطيب يجيد استمالة الجماهير بفصاحة اللسان وقوة البيان، بل كان صاحب قدرة على قراءة المجتمع السوداني، واستيعاب تركيبته الثقافية والاجتماعية، وفهم علاقات السياسة بالفكر والواقع. وقد جمع بين ثقافة واسعة، وذاكرة حافلة بالتفاصيل، ومعرفة عميقة ببيئة البادية السودانية، التي ظل محتفظاً بصلته بجذورها وقيمها وتقاليدها.
خطيب المنابر وصاحب الحضور الاستثنائي
عرفت المنابر السياسية والفكرية ابن عمر خطيباً مفوهاً، حاضر البديهة، قوي الحجة، يمتلك ناصية اللغة ويجيد توظيفها في التعبير عن أفكاره ومواقفه. وكان حضوره يتجاوز حدود الخطابة التقليدية إلى القدرة على تحليل الأحداث وربطها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية.
وقد شهد له من عرفوه في سنوات الدراسة والحركة الطلابية بسعة الاطلاع والتمكن من اللغة العربية والإنجليزية، فضلاً عن قدرته على الحوار والارتجال. وكان، بحسب شهادات معاصريه، شخصيةً لافتة قبل انخراطه في العمل السياسي المنظم، بما امتلكه من مواهب أدبية وخطابية كان يمكن أن تقوده إلى مسارات أخرى في عالم الفكر والأدب.
لكن السياسة استأثرت بجانب كبير من حياته، فانخرط في صفوف الحركة الإسلامية، وأصبح أحد وجوهها المعروفة، وشارك في مسيرتها الفكرية والتنظيمية، قبل أن تمنحه السنوات اللاحقة موقعاً مختلفاً، قوامه التأمل في التجربة واستنطاق دروسها.
الجرأة في نقد التجربة ومراجعة الأخطاء
من أبرز ما يلفت الانتباه في شهادات ابن عمر وحواراته المنشورة موقفه من ضرورة مراجعة تجربة الحركة الإسلامية السودانية، وعدم اختزال إخفاقاتها في أشخاص بعينهم.
ففي حوار نشرته صحيفة «الوطن» السودانية عام 2013، تحدث عن أزمات الواقع السوداني، مرجعاً جانباً منها إلى العجز عن قراءة المستقبل، ومؤكداً أن التصحيح ينبغي ألا يقتصر على تغيير القيادات، بل يمتد إلى المناهج والبرامج والسياسات.
وكان من أكثر مواقفه دلالةً قوله:
«إن كنا قد خسرنا فيما مضى أكثر مما كسبنا، علينا أن نفكر في المناهج والبرامج والسياسات؛ فتغيير الأشخاص لا قيمة له».
تكشف هذه العبارة جانباً مهماً من تفكيره؛ إذ لم يكن يرى الإصلاح مجرد عملية لتبديل الوجوه داخل التنظيمات، وإنما مراجعةً شاملة للأفكار والوسائل والنتائج، ومواجهةً للأخطاء التي أفرزتها الممارسة السياسية.
كما دعا إلى توسيع مساحة الحرية لتشمل الشعب كله، لا النخب والمثقفين وحدهم، انطلاقاً من إيمانه بأن الأوضاع قابلة للتصحيح متى توافرت الإرادة والحرية.
وفي حواره المنشور عام 2017، اتسعت مساحة شهادته عن الخلافات التي عصفت بالحركة الإسلامية، ولا سيما المفاصلة بين الدكتور حسن الترابي وقيادات النظام بعد انقلاب عام 1989. وقد قدم روايته للأحداث من موقع القرب من التجربة، متناولاً ما اعتبره أخطاءً تنظيمية وسياسية أسهمت في تغيير مسارها.
ومهما اختلفت الآراء بشأن بعض تقديراته وتفسيراته، فإن أهمية تلك الشهادات تكمن في أنها تعكس رؤية أحد المشاركين في الأحداث، وتفتح الباب أمام قراءة نقدية لتاريخ مرحلة مؤثرة من تاريخ السودان الحديث.
علاقته بالترابي.. شهادة من داخل التجربة
ارتبط اسم ابن عمر بالدكتور حسن الترابي، زعيم الحركة الإسلامية السودانية، وعُرف بقربه من دوائر العمل الفكري والتنظيمي التي أحاطت به.
وقد عبّر عن تقديره الكبير للترابي، من دون أن يعلن التسليم المطلق بأفكاره أو مواقفه. ففي إحدى إجاباته، رفض فكرة الانجرار وراء الأشخاص بصورة مطلقة، معتبراً أن ذلك يقود إلى نوع من الطائفية السياسية والفكرية.
وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة في شخصيته: رجل اقترب من قيادة فكرية وسياسية مؤثرة، وعاصر أحداثاً مفصلية في تاريخ الحركة الإسلامية، لكنه ظل يؤكد ضرورة النظر إلى التجارب والأشخاص بعين النقد، لا بمنطق الولاء المطلق.
وكانت شهاداته عن الخلافات الداخلية والتحولات السياسية، بما فيها ما سبق المفاصلة وما أعقبها، جزءاً من ذاكرة سياسية لا تزال تحتاج إلى التوثيق والمقارنة بين الروايات المختلفة، حتى تتكون صورة أكثر اكتمالاً عن تلك المرحلة.
السودان في نظره.. مجتمع يحتاج إلى فهم أعمق
لم يكن اهتمام ابن عمر محصوراً في التنظيم السياسي الذي انتمى إليه؛ فقد تناول في حواراته قضايا المجتمع السوداني، وعلاقة المركز بالهامش، ومشكلات التعايش، وأهمية فهم البنية الاجتماعية قبل وضع البرامج والسياسات.
ومن عباراته اللافتة في هذا السياق قوله: «فكل السودان هامش».
وهي عبارة تعبّر عن رؤية تتجاوز التقسيمات السياسية والجغرافية المعتادة، وتدعو إلى النظر في أوجه القصور التي طالت قطاعات واسعة من المجتمع، بدلاً من حصر مشكلات التهميش في مناطق بعينها.
كما أبدى اهتماماً بقضية التنوع الديني والثقافي، واستحضر تجربة المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مثالاً للتعايش بين مكونات مختلفة، مؤكداً أهمية ألا تتحول الاختلافات إلى مبرر للإقصاء أو ادعاء العلوية على الآخرين.
وفي نظره، لم يكن نجاح المشروع الإسلامي منفصلاً عن قدرته على استيعاب واقع المجتمع، وفهم حاجاته، والتعامل مع تنوعه الإنساني والثقافي.
من ضجيج المنابر إلى صمت الغياب
ابتعد ابن عمر، في سنواته الأخيرة، عن دائرة الأضواء والحضور السياسي النشط، وأشارت تصريحاته السابقة إلى ظروف صحية أبعدته عن ممارسة دوره المعتاد.
غير أن غيابه عن الإعلام لم يكن يعني غياب اسمه عن ذاكرة من عرفوه أو تابعوا مسيرته؛ فقد ظل شخصية تستدعي الاهتمام كلما أثيرت أسئلة التجربة الإسلامية السودانية، أو أعيد النظر في الخلافات والتحولات التي شكلت تاريخها.
لقد كان ابن عمر واحداً من جيل حمل مشروعاً فكرياً ودعوياً وسياسياً واسعاً، وشارك في محطاته المختلفة، ثم وجد نفسه أمام أسئلة كبرى عن حصيلة التجربة ومآلاتها.
وربما كانت قيمة شهادته تكمن في أنه لم يكتفِ باستعادة الأمجاد أو تبرير الإخفاقات، بل تحدث عن ضرورة المراجعة، وعن مسؤولية الأجيال في ترك آثار أفضل في التاريخ.
رحيل رجل وبقاء الأسئلة
برحيل ابن عمر محمد أحمد، يفقد السودان شخصية ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخه السياسي والفكري، ويخسر واحداً من أصحاب الأصوات التي جمعت بين قوة الخطابة وجرأة الرأي ومعرفة المجتمع.
لكن رحيله يطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً يتجاوز شخصه: ماذا فعلت الأجيال التي قادت العمل السياسي بأفكارها ومشروعاتها؟ وما الذي نجح منها، وما الذي أخفق؟ وكيف يمكن تحويل تجارب الماضي إلى معرفة تساعد السودان على الخروج من أزماته الراهنة؟
إن الوفاء لهذه القامة لا يكون بالرثاء وحده، ولا بتحويل سيرتها إلى مساحة للمبالغة أو التقديس، وإنما بحفظ شهاداتها، وتوثيق مواقفها، وقراءة أفكارها قراءةً نقدية منصفة، تميز بين الوقائع والتفسيرات، وبين ما يستحق التقدير وما يحتاج إلى المراجعة.
رحم الله ابن عمر محمد أحمد، وغفر له، وأحسن عزاء أسرته ومحبيه ورفاق دربه. لقد غاب الرجل الذي عرفته المنابر، وتوارى عن الأضواء قبل رحيله، لكن صوته وأفكاره وشهاداته تظل جزءاً من ذاكرة السودان السياسية، ومن حوار لم تنتهِ أسئلته بعد.









