د. حسين العالم يكتب:الغربال+..الحوار السوداني.. من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة
متابعات -مرآة السودان

الحوار السوداني.. من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 مجرد صراع عسكري على السلطة، بل كانت انفجاراً جديداً لأزمة تاريخية تتعلق بطبيعة الدولة، وعلاقتها بالأقاليم، وعدالة توزيع السلطة والثروة، وقدرتها على إدارة التنوع وتحقيق المواطنة المتساوية.
فمن تمرد توريت عام 1955، مروراً بالحرب الأهلية في الجنوب، ثم انفصال جنوب السودان عام 2011، إلى حروب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وصولاً إلى الحرب الراهنة، ظل السودان يدفع ثمن إخفاقه في بناء عقد وطني يستوعب تعدده ويحول الاختلاف إلى مصدر قوة، لا إلى وقود للصراع.
أزمة دولة قبل أن تكون أزمة أقاليم
أسهمت السياسات الاستعمارية، وفي مقدمتها سياسة المناطق المقفولة، في تعميق الحواجز الثقافية والإدارية بين أجزاء السودان. وبعد الاستقلال، أخفقت الحكومات المتعاقبة في معالجة آثار ذلك الإرث بصورة عادلة ومستدامة، وتفاوتت سياساتها بين الحلول العسكرية والتسويات السياسية المحدودة.
وقد أثبتت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 أن التفاوض قادر على إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام الاستقرار، لكنها كشفت أيضاً أن السلام لا يستمر بمجرد توقيع الاتفاقيات، ما لم تحمه مؤسسات دستورية مستقرة، وثقة متبادلة، والتزام حقيقي بالحكم المتفق عليه.
ثم جاءت قوانين سبتمبر عام 1983، بالتزامن مع تقويض الحكم الذاتي الجنوبي، لتعمق أزمة الثقة وتفاقم الخلاف حول هوية الدولة وعلاقة الدين بالسلطة. ولم تكن هذه التطورات السبب الوحيد للحرب الثانية، لكنها أسهمت في تحويل الخلاف السياسي إلى صراع أكثر تعقيداً.
أما اتفاقية السلام الشامل عام 2005، فقد منحت الجنوبيين حق تقرير المصير، لكنها لم تنجح في جعل الوحدة خياراً مقنعاً بما يكفي. وهكذا جاء انفصال الجنوب نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية، لا نتيجة قرار منفرد أو خطأ عابر.
وفي دارفور والمنطقتين وشرق السودان، اختلفت تفاصيل الأزمات، لكن تكررت أسئلة التهميش والتنمية والتمثيل السياسي والحقوق المحلية. وعندما انفجرت الحرب الحالية، اتضح أن الأزمة لم تعد محصورة في الأطراف، بل وصلت إلى قلب الدولة ومؤسساتها.
الحوار ليس تنازلاً.. بل ضرورة وطنية
أمام هذه المأساة، تتباين المواقف بين من يطالب بوقف الحرب فوراً، ومن يرى أن الحسم العسكري شرط لاستعادة الدولة، ومن يدعو إلى تسوية تفاوضية تنهي القتال وتفتح الطريق أمام حل سياسي شامل.
لكن التجربة السودانية تقدم درساً بالغ الأهمية: لا يكفي وقف إطلاق النار إذا بقيت أسباب الحرب قائمة، كما أن استمرار القتال لا يضمن وحده بناء دولة مستقرة. فالقوة قد تفرض واقعاً، لكنها لا تستطيع بمفردها تأسيس الثقة أو تحقيق المصالحة أو معالجة المظالم التاريخية.
والحوار لا يعني مساواة المسؤوليات أو التغاضي عن الجرائم والانتهاكات، ولا ينبغي أن يتحول إلى صفقة لتقاسم السلطة بين المسلحين. بل هو وسيلة لبناء توافق وطني، مع إخضاع الجرائم للمساءلة القانونية العادلة، وضمان حقوق الضحايا، وإنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة المستقلة لصالح مؤسسات وطنية مهنية خاضعة للقانون.
من المحليات إلى الأقاليم.. ومن الأقاليم إلى الوطن
إن الحوار السوداني المطلوب ينبغي ألا يبدأ وينتهي في العاصمة، ولا أن يظل حكراً على النخب السياسية والعسكرية. المطلوب عملية وطنية تبدأ من المجتمعات المحلية، وتنتقل إلى الولايات والأقاليم، ثم تلتقي في مؤتمر قومي جامع.
في المستوى المحلي، تُناقش قضايا الأمن المجتمعي، وعودة النازحين، والنزاعات حول الأرض والموارد، والتعايش والمصالحة.
وفي المستوى الإقليمي، تُبحث قضايا التنمية المتوازنة، والتمثيل السياسي، وصلاحيات الحكم المحلي، والعلاقة بين المركز والأطراف.
أما المستوى القومي، فيتولى مناقشة شكل الدولة ونظام الحكم، والمواطنة والهوية، والدستور، وتوزيع الثروة، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار.
ويقتضي نجاح هذه العملية مشاركة النساء والشباب والنازحين واللاجئين والإدارات الأهلية والنقابات والمهنيين والمنتجين، إلى جانب القوى السياسية والمدنية، مع عدم منح أي طرف حق احتكار القرار الوطني.
كما يجب أن تتوافر ضمانات واضحة لتنفيذ المخرجات، تشمل جدولاً زمنياً، ومؤسسات مسؤولة، وآليات رقابة مستقلة، وقواعد معلنة للمساءلة. فالخلل في التجارب السابقة لم يكن دائماً غياب الاتفاق، بل ضعف التنفيذ وانعدام الثقة وغياب الضمانات.
العقد الاجتماعي.. المخرج من دائرة الحرب
إن السودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد يوقف القتال فحسب، بل إلى عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطة والثروة.
عقد يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات، ويضمن حرية الاعتقاد والتنوع الثقافي، ويحقق عدالة توزيع الموارد، ويمنح الأقاليم صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها، ويحفظ وحدة البلاد من خلال الرضا والمشاركة، لا بالإكراه والإقصاء.
كما يتطلب بناء دولة مستقرة جيشاً وطنياً مهنياً واحداً، ومؤسسات دستورية مستقلة، ونظاماً سياسياً يتيح التداول السلمي للسلطة، واقتصاداً يضع إعادة الإعمار وتحسين حياة المواطنين في مقدمة أولوياته.
إن معالجة أزمة السودان تبدأ بالاعتراف بأن الأقاليم ليست أطرافاً هامشية في الدولة، وأن سكانها ليسوا مجرد جمهور ينتظر ما تقرره النخب في المركز. إنهم شركاء أصيلون في صياغة المستقبل، ومن دون مشاركتهم لن يكون السلام شاملاً أو مستداماً.
خاتمة: هل نتعلم من التاريخ؟
من الجنوب إلى دارفور، ومن جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى الخرطوم، تتكرر الرسالة ذاتها: إن الدولة التي لا تنجح في إدارة التنوع بعدالة تظل عرضة للانقسام، وإن السلام الذي لا يعالج جذور المظالم لا يصمد أمام الأزمات.
لذلك، فإن الحوار السوداني المنشود ليس مجرد اجتماع للأطراف المتنازعة، ولا مناسبة لتبادل الاتهامات، بل فرصة لإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة، يكون فيها الإنسان أولاً، والعدالة أساس الوحدة، والمشاركة ضمان الاستقرار.
إن السودان لا يحتاج إلى حوار ينهي حرب اليوم فحسب، بل إلى حوار يمنع حروب الغد؛ حوار يجعل الاختلاف وسيلة للتكامل، والمواطنة أساساً للانتماء، والسلام مسؤولية وطنية يشترك في حملها الجميع.









