مقالات

عامر يوسف العالم يكتب:الخدمة المدنية في السودان من ركام الحرب إلى التأسيس والتغيير السلوكي

متابعات مرآة- السودان

الخدمة المدنية في السودان من ركام الحرب إلى التأسيس والتغيير السلوكي

 

إن ما كشفت عنه الحرب الأخيرة في السودان لم يكن مجرد هشاشة في البنية التحتية والمباني الحكومية، بل عرّى واقعاً إدارياً وسلوكياً كان يعتمد على الورق، والمركزية المفرطة، واحتكار المعلومة، وإهدار الوقت. لقد أثبتت هذه الأزمة أن ما نحتاجه اليوم ليس “ترميم” المقار وإعادة بناء الجدران، بل إعادة تأسيس مفهوم الوظيفة العامة نفسها، وتغيير السلوك المهني لأجهزتنا التنفيذية.

 

إن نهوض الخدمة المدنية السودانية لا يتحقق بالشعارات الرنانة ولا باللجان الممتدة، بل عبر مرتكزات حاكمة وتغييرات جذرية تتطلب منا مواجهة الذات:

 

أولاً: من البيروقراطية الورقية إلى الحوكمة الرقمية (الغطاء التشريعي والتطبيقي)

 

إن أكبر الآفات التي أرهقت الخدمة المدنية وحولتها إلى بيئة طاردة هي سيادة العقلية الورقية و”الملفات المفقودة”. أن يظل المواطن أسيراً لمستند يضيع في أروقة مؤسسة، أو أن يتحول الموظف إلى حارس للبيانات يبتز بها المراجعين أو يتعامل معها كأملاك شخصية، لهو العجز السلوكي والمؤسسي بعينه.

 

النهضة تبدأ بقرار سيادي لا رجعة فيه: الرقمنة الشاملة للمرفق العام. يجب إنهاء عصر السجلات اليدوية، وبناء شبكة معلوماتية متكاملة تربط كافة مؤسسات الدولة برقم موحد للمواطن، مع أرشيف إلكتروني سحابي مُؤمّن لا تبتلعه الحرائق ولا تدمره الحروب.

 

وهذا التحول الرقمي يتطلب تعديلاً تشريعياً عاجلاً يسن قوانين متطورة للمعاملات الإلكترونية، ويعترف بالتوقيع والمستند الرقمي كحجة قانونية ملزمة كاملة الأهلية، مما يحمي البيانات ويمنع التلاعب.

 

ثانياً: إنهاء تضارب الاختصاصات وإقرار “مصفوفة المسؤوليات”

تُعاني أجهزة الدولة من تداخل الصلاحيات وضياع المسؤولية بين الوزارات والمحليات والهيئات المتخصصة، حيث يُترك المواطن حائراً في حلقة مفرغة من “رمي الكرة” بين الجهات.

 

تحتاج الخدمة المدنية الشاملة إلى اعتماد مصفوفة مسؤوليات صارمة (RACI Matrix): كل معاملة أو مشروع يتبع لجهة منفذة واحدة محددة، بجدول زمني معلوم، وتقارير دورية تقيس الأداء الفعلي، مع إلغاء اللجان الاستشارية المتكررة التي تُشكّل لتهرب من اتخاذ القرار.

 

ثالثاً: إصلاح السلوك المهني والاستثمار في الإنسان

إن أي إصلاح هيكلي يغفل المورد البشري وسلوكه المهني هو إصلاح صوري. لا يمكن أن نطلب من موظف يعاني من تدني الدخل أن يكون منتجاً ومبدعاً، كما لا يمكن قبول أن يتحول الموظف إلى عائق أمام حقوق المواطنين.

الإصلاح الإداري يتطلب ميثاقاً أخلاقياً وسلوكياً جديداً يقوم على:

أ : هيكل راتبي عادل ومحفز: يربط الدخل بمعدلات الإنتاجية والإنجاز الميداني والمكتبي، لا بمجرد الحضور الصوري.

ب : التدريب والتأهيل الإجباري: إعادة بناء عقليات الموظفين عبر دورات مكثفة في مهارات التعامل مع الجمهور، الحوكمة الرقمية، والنزاهة المؤسسية.

ج :  تفعيل مبدأ الثواب والعقاب: الترقية للمبتكرين والمخلصين في الميدان، والمحاسبة الصارمة للمتقاعسين، لإنهاء ثقافة “استغلال الوظيفة العامة”.

 

رابعاً: ثقافة “المؤسسة المتنقلة” وخدمة المواطن في موقعه

 

يجب أن تنتهي نهائياً فلسفة “تعال إلينا في المركز”. إن اضطرار المواطن في الولايات أو الأرياف القريبة والبعيدة للسفر والمخاطرة للحصول على خدمة أساسية أو استخراج وثيقة رسمية هو مظلمة إدارية يجب إنهاؤها.

 

الحل يكمن في تحول الجهاز الإداري نحو المكاتب والفرق الخدمية المتنقلة المجهزة تقنياً، والتي تصل إلى المواطن في موقعه لتقديم الخدمات، واستلام المعاملات، وإنجازها فورياً. هذا التوجه الكفيل بقطع الطريق أمام شبكات الوساطة والسماسرة، وإعادة بناء ثقة الشارع بالمؤسسة الرسمية.

 

خامساً: العدالة المالية وربط التحصيل بالخدمة الملموسة

تتشكل لدى المواطن انطباعات سلبية حين تتحول الرسوم الحكومية إلى جباية مجردة لا يرى لها أثراً في واقع حياته أو في تطوير المرفق الذي يراجعه.

 

يجب إعادة هيكلة الفلسفة المالية للخدمة المدنية، بحيث تُربط المعاملات الرسمية بخطط ملموسة لتطوير الخدمات. كما ينبغي توسيع نطاق أنظمة السداد المرن والتقسيط الإداري تخفيفاً على المواطنين، ليصبح الهدف هو التقنين والتنظيم وتسهيل الحياة، وليس فقط جمع الإيرادات.

 

الخلاصة:

إن الخدمة المدنية في السودان لن تنهض بمجرد قرارات تخطيطية فوقية، بل تبدأ بـ تغيير سلوكي وأخلاقي شامل: أن يُدرك الموظف أن الوظيفة تكليف وتكريم وليست سلطة، وأن المعلومة حق مكفول للمواطن وليست سلعة، وأن تقييم أداء الدولة يقاس بما أُنجز على الأرض من معاملات وحُلّ من مشكلات، لا بما حُفظ من محاضر في الأدراج.

إذا أردنا بناء دولة حقيقية تتجاوز مرارات الحرب وتؤسس للمستقبل، فلنبدأ من هذه النقطة: موظف نزيه ومُقدّر، بيئة تشريعية ورقمية حادبة على حقوق الناس، ومؤسسة تذهب للمواطن بدلاً من أن يلهث خلفها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى