مقالات

د. حسين العالم يكتب: الغربال+.. حوار بلا وصاية: سودانية القرار ودبلوماسية الاستفادة

متابعات مرآة- السودان

حوار بلا وصاية: سودانية القرار ودبلوماسية الاستفادة

 

مع انتقال لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني من مرحلة تلقي الرؤى والمقترحات إلى مرحلة المشاورات الواسعة واللقاءات المباشرة مع القوى السياسية والمكونات المجتمعية، يبرز سؤال مركزي لا يقل أهمية عن تحديد أطراف الحوار وأجندته: كيف نتعامل مع الدور الخارجي؟ وقد أثار الإعلان عن انفتاح اللجنة على سفراء الدول الأوروبية ومبعوثي المجموعات الدولية، ومن بينها الرباعية والخماسية، جدلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض. غير أن جوهر المسألة ليس: هل نتحاور مع الخارج أم لا؟ وإنما: ما طبيعة هذا الحوار؟ وما حدود الدور الخارجي؟ ومن يملك القرار النهائي؟

 

الخارج بين ضرورة الواقع ورفض الوصاية

 

من الصعب، بل ربما من غير الواقعي، بناء عملية سلام سودانية بمعزل كامل عن البيئة الإقليمية والدولية. فتاريخ السودان الحديث يقدم نماذج واضحة على أن الاتفاقات الكبرى لم تكن بعيدة عن الوساطات الإقليمية والدولية. في اتفاقية أديس أبابا عام 1972 كان للوساطة الخارجية دور في إنهاء الحرب الأولى، وفي اتفاقية نيفاشا لعبت الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» وشركاؤها الدوليون دوراً محورياً في التفاوض والوساطة والضمانات، كما جاء اتفاق جوبا للسلام في سياق إقليمي ودولي واسع.

والخلاصة من هذه التجارب ليست أن الخارج يجب أن يصنع السلام نيابة عن السودانيين، وإنما أن الدور الخارجي يمكن أن يكون مفيداً عندما يساعد السودانيين على الوصول إلى اتفاق، دون أن يحل محلهم في صناعة الاتفاق. وهنا يجب التفريق بين أمرين: التدخل الخارجي في القرار السوداني، وهذا مرفوض، والمساندة الخارجية للعملية السودانية، وهذه يمكن أن تكون مطلوبة ومفيدة.

فالحرب الحالية ليست مجرد مواجهة داخلية مغلقة؛ فقد أصبحت لها امتدادات إقليمية ودولية واضحة، وتتقاطع فيها مصالح دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية، إلى جانب المصالح الاقتصادية والجيوسياسية المرتبطة بموقع السودان وثرواته وموانئه والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن ثم فإن أي حوار سوداني جاد لا بد أن يضع العامل الخارجي ضمن تشخيص الأزمة نفسها. فإذا كانت هناك أطراف خارجية تؤثر في أطراف الحرب، أو تمول أو تسلح أو تضغط سياسياً، فإن الوصول إلى سلام مستدام يتطلب التعامل مع هذه الأطراف، لا لكي تشارك في صياغة المشروع الوطني السوداني، وإنما لكي تساعد في وقف التدخلات، وضمان تنفيذ ما يتفق عليه السودانيون، ودعم الاستقرار وإعادة الإعمار.

وهذا يقود إلى قاعدة مهمة: لا يمكن بناء سلام سوداني حقيقي بتجاهل الخارج، كما لا يمكن بناء دولة سودانية مستقلة بتسليم الخارج حق صياغة مستقبل السودان.

أدوار أربعة وحدود صارمة

ليس من الضروري أن يكون الموقف من الدول والمنظمات الدولية موقفاً واحداً؛ فهناك فرق بين أن تكون هذه الأطراف مشاركة في الحوار السوداني، وبين أن تكون مساهِمة في تهيئة البيئة المحيطة به. والأنسب أن تكون علاقتنا معها في أربعة أدوار رئيسية:

أولاً: دور الميسّر، بتقديم الدعم الفني والسياسي للاتصال بين الأطراف، وتسهيل الاجتماعات وتجاوز العقبات.

ثانياً: دور الضامن، بالمساعدة في ضمان تنفيذ ما يتفق عليه السودانيون، خصوصاً ما يتعلق بوقف الحرب والترتيبات الأمنية والانتقال السياسي.

ثالثاً: دور المساعد، بالمساهمة في إعادة الإعمار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ودعم الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية.

رابعاً: دور المراقب، بمتابعة تنفيذ الاتفاقات وإبلاغ المجتمع الدولي بأي خروقات، دون أن يتحول ذلك إلى حق في صياغة القرار السوداني.

أما أن يتحول الخارج إلى طرف أصيل في تحديد شكل الدولة السودانية، أو اختيار القوى السياسية، أو فرض الأجندة الوطنية، أو منح الشرعية لطرف دون آخر، فهذا يتعارض مع جوهر الحوار السوداني–السوداني. ومن هنا تظهر أهمية إدارة المسار الدبلوماسي عبر وزارة الخارجية السودانية أو بعلمها التام، لضمان رسم حدود التعامل مع البعثات الأجنبية وفق الأعراف السيادية، ولقطع الطريق أمام الشكوك والتخوين.

مبادئ حاكمة للحوار

المبادئ التي طرحتها لجنة التهيئة تمثل بداية مهمة، خصوصاً ما يتعلق بتهيئة المناخ، وبناء الثقة، والاستماع إلى مختلف المكونات، وعدم احتكار الحوار من طرف سياسي واحد. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير هذه المبادئ في اتجاه أكثر وضوحاً، وأقترح أن تقوم على مجموعة من القواعد:

· ملكية سودانية كاملة للحوار والقرار والمخرجات.

· عدم استبعاد أي مكون سوداني مؤثر، مع رفض استخدام الحوار غطاءً لفرض الأمر الواقع العسكري أو السياسي.

· الفصل بين أطراف الحوار السوداني والأطراف الخارجية المساندة له.

· اعتبار الدول والمنظمات الخارجية ميسّرين وضامنين ومراقبين ومساعدين، لا أصحاب قرار.

· الشفافية في التواصل مع الخارج، بحيث تكون الأدوار والالتزامات معلنة وواضحة.

· معالجة جذور الحرب، وليس الاكتفاء بترتيبات وقف إطلاق النار.

· الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.

· صياغة مشروع وطني جامع يجيب عن أسئلة الدولة والهوية والمواطنة والحكم والاقتصاد والعلاقة بين المركز والأقاليم.

 

من هم أطراف الحوار؟

نجاح الحوار يتطلب ألا يتحول إلى مؤتمر نخب سياسية فقط. فالسودان ليس أحزاباً سياسية وحدها، وليس القوات المسلحة والدعم السريع وحدهما، وليس الإدارات الأهلية والطرق الصوفية والقيادات الدينية وحدها. المطلوب هو بناء دائرة حوار واسعة تضم القوى السياسية والمدنية، والقوات المسلحة والقوى العسكرية المعنية بالعملية السياسية، والحركات المسلحة والقوى التي وقعت اتفاقات السلام، والإدارات الأهلية والمكونات المجتمعية، والشباب والمرأة، والنقابات والمهنيين وأصحاب الأعمال، والأكاديميين والمفكرين والخبراء، والسودانيين في المهجر، وممثلي الأقاليم والولايات والمناطق المتأثرة بالحرب، ولجان الأحياء، وممثلي النازحين واللاجئين.

لكن هذا لا يعني أن كل طرف يجب أن يكون له المقعد نفسه أو الدور نفسه في كل مرحلة؛ فالترتيب المؤسسي للحوار يحتاج إلى معايير واضحة للتمثيل والتوازن والكفاءة والتأثير المجتمعي.

من الحوار إلى المشروع الوطني

المشكلة الكبرى في السودان ليست فقط غياب الاتفاق بين النخب، وإنما غياب تصور جامع للدولة التي يريد السودانيون بناءها. ولهذا فإن الحوار لا ينبغي أن ينتهي إلى مجرد اتفاق على تقاسم السلطة أو تشكيل حكومة انتقالية جديدة. السؤال الأهم هو: أي سودان نريد أن نبني بعد الحرب؟ هل نريد دولة مركزية أم فدرالية؟ كيف تكون العلاقة بين المركز والأقاليم؟ كيف نبني جيشاً وطنياً مهنياً واحداً؟ كيف نضمن التداول السلمي للسلطة؟ كيف نعالج قضية الهوية دون إقصاء؟ كيف نحقق العدالة والمصالحة؟ كيف نعيد بناء الاقتصاد؟ كيف نوزع الموارد والثروة؟ وكيف نضمن أن تكون الدولة خادمة للمواطن وليست سلطة فوقه؟

هذه الأسئلة يجب أن تتحول إلى أجندة الحوار الوطني. والبداية قد تكون من مناطق الاتفاق لا من نقاط الخلاف؛ أي أن نتفق فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، ونؤجل ما يحتاج إلى مزيد من البحث. وبهذه الطريقة يمكن تحويل الرؤى المختلفة التي قدمتها القوى السياسية والمجتمعية إلى مجموعة من الأسئلة الوطنية الكبرى، ثم البحث عن إجابات مشتركة لها. فالغاية ليست أن تنتصر وثيقة على وثيقة، ولا أن ينتصر حزب على حزب، وإنما أن ينتقل السودانيون من إدارة الخلاف إلى بناء الدولة.

نحو عقد اجتماعي سوداني جديد

في النهاية، ينبغي أن يكون الحوار وسيلة للانتقال من مجرد التسوية السياسية إلى عقد اجتماعي سوداني جديد. عقد يقوم على المواطنة والعدالة والحرية والكرامة، ويحترم التنوع الديني والثقافي والاجتماعي، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات، ويضع الإنسان في مركز المشروع الوطني.

وفي هذا الإطار يمكن أن يكون الخارج شريكاً في السلام والاستقرار وإعادة الإعمار، لكنه لا ينبغي أن يكون شريكاً في صياغة الإرادة الوطنية السودانية. فالسودانيون يحتاجون إلى المجتمع الدولي، لكنهم لا يحتاجون إلى أن يتنازلوا له عن قرارهم. ويحتاجون إلى وساطة إقليمية ودولية تساعدهم على وقف الحرب، لكنهم يحتاجون في الوقت نفسه إلى أن تبقى قضايا الدولة والهوية والدستور وشكل الحكم والثروة والعدالة والمستقبل ملكاً للسودانيين وحدهم.

وهنا يمكن للجنة تهيئة الحوار أن تؤسس لسابقة مهمة: أن تجعل من الحوار السوداني–السوداني حواراً منفتحاً على العالم، لكنه غير مرتهن للعالم؛ مستفيداً من الخارج، لكنه غير تابع له؛ وقادراً على تحويل الدعم الدولي من أداة للتدخل إلى أداة للسلام والإعمار. فإذا نجحت العملية في تحقيق هذا التوازن، فإن الحوار لن يكون مجرد مؤتمر جديد ينتهي بوثيقة جديدة، وإنما يمكن أن يكون خطوة حقيقية نحو مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة السودانية على أساس جديد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى