اخبار

رسالة البرهان إلى ترامب.. هل تتغير قواعد اللعبة

متابعات مرآة- السودان

رسالة البرهان إلى ترامب.. هل تتغير قواعد اللعبة؟

الخرطوم تطرح شروطها للهدنة وتفتح باب الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن

في خطوة تحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أنه بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكد فيها التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها واشنطن، واستعداد الحكومة للعمل مع الأطراف المعنية من أجل التوصل إلى سلام عادل ومستدام يحفظ سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها وكرامة شعبها. وجاء الإعلان في 15 أكتوبر 2026، وسط استمرار الجهود الأمريكية الرامية إلى إنهاء الحرب السودانية.

وبحسب التفاصيل التي نشرتها صحيفة «السوداني»، فإن الرسالة تتجاوز إعلان الاستعداد للتفاوض، لتطرح رؤية بشأن طبيعة الهدنة وشروط نجاحها، ومستقبل مؤسسات الدولة، والعلاقات السودانية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب.

الهدنة بين حماية المدنيين وحسابات الميدان

تتمثل أبرز رسائل الخطاب، وفق التفاصيل المتداولة، في أن السودان لا يرفض جهود السلام الأمريكية، لكنه يسعى إلى أن تقوم ترتيبات الهدنة على ضمانات تمنع استغلالها لإعادة ترتيب الأوضاع العسكرية أو تجديد العمليات القتالية.

وفي هذا السياق، تبرز عدة مطالب أساسية، أبرزها:

حماية المدنيين: جعل سلامة المواطنين ووصول المساعدات الإنسانية الهدف الأساسي للهدنة.

الانسحاب من المناطق المدنية: معالجة وجود القوات المسلحة داخل المناطق السكنية بما يحد من المخاطر التي يتعرض لها السكان.

وقف إعادة التسليح: منع استغلال فترة الهدنة في تعزيز القدرات العسكرية والاستعداد لجولات جديدة من القتال.

الرقابة الفعالة: وضع آليات للتحقق من الالتزام بالاتفاق ومحاسبة الأطراف التي تخرقه.

وقف الدعم الخارجي: معالجة تدفقات الأسلحة والتمويل والمرتزقة التي تسهم في استمرار الحرب.

وتعكس هذه المطالب، إذا تأكد إدراجها ضمن النص الكامل للرسالة، محاولة لربط وقف إطلاق النار بمعالجة العوامل التي تغذي الصراع، بدلاً من الاكتفاء بتعليق العمليات العسكرية مؤقتاً.

لكن نجاح هذا التصور يتوقف على مدى توافق الأطراف المتحاربة بشأن شروط التنفيذ، وطبيعة الرقابة، والجهة المخولة بالتحقق من الالتزام، فضلاً عن وجود ضمانات متبادلة تحول دون تحول الهدنة إلى استراحة عسكرية مؤقتة.

وحدة الدولة والجيش الواحد

تتمحور الرسالة، وفق الملخص المنشور، حول ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ورفض تحويل السيطرة العسكرية على الأراضي إلى شرعية سياسية، مع التأكيد على أن السلام المستدام ينبغي أن يقود إلى دولة موحدة وجيش وطني واحد، وصولاً إلى تحول مدني ديمقراطي يقرر السودانيون مستقبله.

ويضع هذا الطرح قضية الحرب في إطار أوسع من المواجهة العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع؛ إذ يربط التسوية بمستقبل الدولة، وطبيعة المؤسسة العسكرية، وشكل الحكم، ومصادر الشرعية السياسية.

غير أن الانتقال من هذه المبادئ إلى تسوية قابلة للتنفيذ يتطلب اتفاقاً واضحاً على الترتيبات الأمنية، وإصلاح المؤسسات، ودور القوى المدنية، وضمان المشاركة السياسية الواسعة، حتى لا يصبح وقف الحرب مجرد تسوية مؤقتة بين القوى المسلحة.

من وقف الحرب إلى الشراكة الاستراتيجية

من أبرز الجوانب التي تتضمنها الرسائل المنقولة عن الخطاب توسيع نطاق العلاقة مع الولايات المتحدة، بحيث لا تظل محصورة في إدارة الحرب أو التفاوض بشأن الهدنة، بل تمتد إلى التعاون في الأمن الإقليمي، وأمن البحر الأحمر، والاستثمار، واستغلال الموارد الطبيعية، وإعادة الإعمار.

ويفتح هذا الطرح الباب أمام مقاربة تربط السلام بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة؛ فالسودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وموقعاً جغرافياً مهماً، بينما تملك الولايات المتحدة قدرات تكنولوجية واستثمارية يمكن أن تسهم في إعادة بناء القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى شراكة فعلية يحتاج إلى أكثر من الرسائل السياسية؛ إذ يتطلب بيئة آمنة، ومؤسسات مستقرة، وضمانات قانونية للاستثمار، وسياسات شفافة لإدارة الموارد، واتفاقات واضحة تحقق مصالح متبادلة.

 ما العائد المنتظر من موقف البرهان؟

يمكن قراءة الرسالة، في ضوء مضمونها المعلن والسياق السياسي المحيط بها، من خلال أربعة مسارات رئيسية، مع التأكيد أن هذه النتائج تظل احتمالات مشروطة وليست مكاسب تحققت بالفعل.

1. العائد الدبلوماسي: إعادة فتح قنوات التواصل مع واشنطن

قد تتيح الرسالة فرصة لتخفيف التوتر في العلاقات السودانية الأمريكية، ونقل النقاش من الخلاف بشأن شروط الهدنة إلى البحث عن صيغة تفاوضية قابلة للتطبيق.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن واشنطن سبق أن مارست ضغوطاً مرتبطة بقبول مقترح الهدنة الإنسانية لمدة 90 يوماً، في ظل تباينات بين الجانبين بشأن شروط وقف القتال وترتيباته.

العائد المحتمل: استعادة مساحة للتفاوض المباشر أو غير المباشر، وتوضيح الموقف السوداني للإدارة الأمريكية، وفتح المجال أمام تفاهمات بشأن الضمانات الأمنية والسياسية.

لكن ذلك يظل رهناً برد واشنطن ومدى استعدادها للتعامل مع المقترحات السودانية باعتبارها أساساً للتفاوض، لا بديلاً عن الالتزام بوقف الأعمال العدائية.

2. العائد السياسي: التأثير في صياغة شروط التسوية

يسعى الموقف المعلن إلى نقل النقاش من سؤال: هل يقبل السودان الهدنة؟ إلى سؤال أكثر تفصيلاً: ما الشروط التي تجعل الهدنة قابلة للاستمرار وتمنع تجدد الحرب؟

وهذا التحول مهم من الناحية التفاوضية؛ لأنه يتيح طرح قضايا الانسحاب من المناطق المدنية، ووقف الإمدادات العسكرية، وآليات المراقبة، باعتبارها عناصر مرتبطة بنجاح التسوية.

العائد المحتمل: توسيع مساحة التفاوض حول تفاصيل التنفيذ والضمانات، بدلاً من الاقتصار على القبول بالمقترح الأمريكي أو رفضه.

ومع ذلك، فإن القدرة على التأثير في الصيغة النهائية ستعتمد على موقف الطرف الآخر، وعلى استعداد الوسطاء لتبني ضمانات قابلة للتحقق، وعلى مدى توافق الشروط المطروحة مع المتطلبات الإنسانية العاجلة.

3. العائد الأمني: تقليل فرص استغلال الهدنة عسكرياً

إذا تضمنت التسوية ترتيبات واضحة للانسحاب من المناطق السكنية، ووقف تدفق السلاح، والتحقق المستقل من الالتزام، فقد تسهم في تقليل المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، والحد من استخدام الهدنة لإعادة تنظيم القوات أو استئناف القتال في ظروف أكثر ملاءمة لأحد الطرفين.

العائد المحتمل: توفير بيئة أفضل لوصول المساعدات الإنسانية، وعودة النازحين تدريجياً إلى مناطق آمنة، وتهيئة الظروف لوقف دائم لإطلاق النار.

لكن هذا العائد لا يتحقق بمجرد تضمين المطالب في رسالة سياسية؛ بل يحتاج إلى اتفاق محدد، وآليات مراقبة موثوقة، والتزامات واضحة من جميع الأطراف، وضمانات للتعامل مع الانتهاكات.

4. العائد الاقتصادي: تحويل السلام إلى فرصة لإعادة البناء

إن طرح الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة يوسع النقاش ليشمل مستقبل الاقتصاد السوداني، ولا سيما الزراعة والتعدين والطاقة والبنية التحتية.

وقد يشكل التعاون في التكنولوجيا والاستثمار وإعادة الإعمار فرصة للاستفادة من الموارد الوطنية، وخلق فرص العمل، واستعادة النشاط الإنتاجي، وتطوير البنية التحتية التي تضررت بفعل الحرب.

العائد المحتمل: جذب استثمارات جديدة، وتوفير تقنيات حديثة، وفتح أسواق وشراكات اقتصادية، وتعزيز فرص إعادة الإعمار.

غير أن ذلك يتطلب استقراراً أمنياً وسياسياً، ووضوحاً في التشريعات، وشفافية في إدارة العقود والموارد، وضمانات تحول دون تركّز المكاسب الاقتصادية في أيدي مجموعات محدودة.

ما الذي قد يحد من العائد المنتظر؟

على الرغم من الفرص التي يتيحها هذا الموقف، فإن تحقيق أهدافه يواجه تحديات رئيسية:

التباين في شروط الهدنة: فقد تختلف الأطراف بشأن الانسحاب من المناطق، وتسلسل تنفيذ الالتزامات، وآليات الرقابة.

ضعف الثقة: قد يؤدي غياب الضمانات المتبادلة إلى استمرار الشكوك بشأن نيات الأطراف واستعدادها للالتزام.

التدخلات الخارجية: يتطلب وقف تدفق السلاح والتمويل تعاوناً إقليمياً ودولياً يتجاوز التصريحات السياسية.

المسار المدني: لا يكفي الاتفاق على وقف القتال وحده؛ بل ينبغي تحديد مسار سياسي يتيح مشاركة القوى المدنية والمجتمعية في تقرير مستقبل البلاد.

الفجوة بين الخطاب والتنفيذ: تبقى قيمة الرسالة مرتبطة بما يتبعها من تفاوض واتفاقات وإجراءات يمكن التحقق منها على الأرض.

وهنا تبرز نقطة جوهرية: إن نجاح أي مبادرة سلام لا يقاس بمدى قدرتها على تحقيق مكاسب تفاوضية لطرف بعينه فحسب، وإنما بقدرتها على وقف نزيف الدم، وحماية المدنيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وتهيئة انتقال سياسي مستدام.

الخلاصة: الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الرسالة

تحمل رسالة البرهان إلى ترامب، وفق المضامين المنشورة، محاولة للجمع بين ثلاثة أهداف: تأكيد الاستعداد للتعامل مع جهود السلام الأمريكية، وطرح شروط أمنية وسياسية للهدنة، وفتح أفق لشراكة استراتيجية تتجاوز الحرب إلى إعادة بناء السودان.

لكن الرسالة، مهما كان وزنها الدبلوماسي، لا تمثل في حد ذاتها اتفاقاً على وقف إطلاق النار، ولا تثبت أن واشنطن وافقت على الشروط المطروحة. كما أن التفاصيل الكاملة للخطاب لم تتوافر في المصادر التي أمكن التحقق منها؛ لذلك ينبغي التمييز بين ما أعلنه البرهان رسمياً بشأن التزام السودان بجهود السلام، وما نُسب إلى الرسالة من تفاصيل إضافية.

العائد الأكبر الذي يمكن أن يحققه هذا الموقف هو تحويل التواصل الدبلوماسي إلى مسار عملي ينهي الحرب، ويحمي المدنيين، ويمنع تجدد القتال، ويضع السودان على طريق استعادة الدولة وبناء السلام. أما إذا بقيت المطالب في حدود الرسائل المتبادلة من دون اتفاق قابل للتنفيذ، فإن فرص تحقيق هذه المكاسب ستظل محدودة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى