مقالات

د. حسين العالم يكتب: الغربال+.. السودان بين الحرية والاستبداد: هل ينقذنا الرجل القوي

متابعات مرآة- السودان

السودان بين الحرية والاستبداد: هل ينقذنا الرجل القوي؟

في السودان، تبدو العلاقة بين الحرية والاستقرار كأنها دائرة مغلقة لا يكاد الشعب يخرج منها.

نفتح باب الديمقراطية، فتدخل معها الصراعات الحزبية، والحكومات الائتلافية، والاحتجاجات والإضرابات، وتتحول المنافسة السياسية أحياناً إلى صراع على السلطة لا إلى تنافس على البرامج. ثم يشعر المواطن أن الحرية لم تمنحه الاستقرار، فيبدأ بالبحث عن «الرجل القوي».

يأتي الرجل القوي، فيصفق له الناس لأنه وعدهم بالأمن والنظام ووحدة البلاد. وبعد فترة، تضيق مساحة الحرية، وتضعف المؤسسات، ويصبح الحاكم أقوى من الدولة، فيبدأ الشعب من جديد في البحث عن الحرية.

وهكذا يتحرك السودان بين فوضى باسم الحرية واستبداد باسم الاستقرار.

فهل المشكلة في الحرية؟ أم في الطريقة التي مارسنا بها الحرية؟ وهل الحل في الرجل القوي؟ أم في بناء دولة أقوى من الأشخاص؟

تجربة لم نتعلم منها بما يكفي

منذ استقلال السودان عام 1956، تعاقبت التجارب البرلمانية والعسكرية بصورة متكررة. وتشير دراسة للبنك الدولي إلى أن الفترات الديمقراطية البرلمانية الثلاث في العقود الأولى بعد الاستقلال كانت قصيرة مقارنة بفترات الحكم العسكري.

كما خلصت دراسة للمسار الدستوري السوداني إلى أن الدساتير والعمليات الدستورية ظلت، على مدى عقود، عرضة للتلاعب من الحكومات العسكرية والمدنية والنخب السياسية، وأن السودان لم ينجح في بناء تسوية دستورية مستقرة وواسعة الشرعية.

إذن ليست المشكلة أن السودانيين «لا يحبون الديمقراطية».

المشكلة أن الديمقراطية نفسها لم تجد البيئة السياسية والمؤسسية والاجتماعية الكافية للاستقرار.

فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.

إنها ثقافة قبول الآخر، واحترام القانون، وقبول نتائج الانتخابات، والقدرة على المعارضة دون تخريب، والحكم دون إقصاء، والتداول السلمي للسلطة.

وهنا نصل إلى العامل الاجتماعي.

«عندي كبير» في السياسة

المجتمع السوداني مجتمع يحترم الكبير: كبير الأسرة، والشيخ، والناظر، والعمدة، والزعيم السياسي.

وهذه قيمة اجتماعية إيجابية في أصلها.

لكن عندما تتحول إلى ولاء شخصي وطاعة شبه مطلقة، تصبح مشكلة للديمقراطية.

فالديمقراطية تسأل المواطن:

ماذا تريد أنت؟

بينما ثقافة الولاء الشخصي قد تسأله:

ماذا يريد كبيرك؟

وهنا يصبح التصويت أحياناً امتداداً للولاء الاجتماعي أو الديني أو الحزبي، لا تعبيراً عن تقييم البرامج والسياسات.

فتصبح الانتخابات منافسة بين الأشخاص والولاءات، لا بين المشاريع الوطنية.

عندما تتحول الحرية إلى فوضى

الحرية لا تعني أن يفعل كل فرد ما يشاء.

الحرية السياسية تحتاج إلى قانون ومؤسسات.

وحين تغيب هذه الشروط، يمكن أن تتحول الحرية إلى فوضى، والفوضى إلى فقدان ثقة بالديمقراطية.

وعندها يقول المواطن:

«الديمقراطية لم تنفعنا، نريد حكومة قوية.»

وهنا تبدأ المفارقة.

فالمواطن الذي ضاق بالفوضى قد يرحب بالحكم القابض، لا لأنه يحب الاستبداد بالضرورة، وإنما لأنه يريد شيئاً بسيطاً: الأمن.

وهذا ما يجعل الخوف السياسي خطيراً؛ لأنه قد يدفع المجتمع إلى مقايضة جزء من حريته بوعد الاستقرار.

لكن الرجل القوي ليس بالضرورة الدولة القوية

هذه هي النقطة التي يجب ألا نخطئ فيها.

هناك فرق هائل بين:

رجل قوي يحكم دولة ضعيفة

و

دولة قوية يحكمها قائد قوي.

الأولى تعتمد على الشخص.

أما الثانية فتعتمد على المؤسسات.

القائد قد يكون وطنياً، شجاعاً، وقادراً على اتخاذ القرار، لكن السؤال الدستوري يبقى:

من يحاسب القائد؟

وماذا يحدث إذا أخطأ؟

وماذا يحدث إذا انتهت ولايته؟

ومن يضمن ألا تتحول شرعية الحرب إلى شرعية دائمة للحكم؟

هذه الأسئلة ليست ضد الرجل القوي؛ بل هي التي تمنع تحوله إلى حاكم مطلق.

لماذا يزداد الطلب على البرهان الآن؟

في ظل الحرب الحالية، أصبح الخوف من الانقسام والتفكك عاملاً سياسياً لا يمكن تجاهله.

وقد عبّرت السلطة العسكرية في الخرطوم عن مخاوف من أن تؤدي بعض مسارات وقف الحرب إلى تكريس انقسام شبيه بالنموذج الليبي، بينما تدفع واشنطن باتجاه وقف الحرب واستئناف انتقال سياسي مدني بقيادة سودانية.

وفي هذا السياق، تظهر أصوات تنادي بأن يتولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئاسة الجمهورية.

ينبغي ألا نرفض هذه الفكرة لمجرد أنها صادرة من أنصار القيادة العسكرية، كما لا ينبغي قبولها لمجرد أن الناس خائفون.

بل يجب طرح السؤال بطريقة أكثر نضجاً:

إذا كان البرهان مرشحاً لرئاسة الجمهورية، فما المشروع الدستوري الذي سيحكم فترة رئاسته؟

هل ستكون رئاسة منتخبة؟

ما مدة الولاية؟

هل سيخضع الرئيس للقانون؟

هل توجد محكمة دستورية مستقلة؟

هل يستطيع البرلمان محاسبته؟

هل يضمن الدستور تداول السلطة؟

هل تخضع المؤسسة العسكرية للسلطة السياسية الدستورية؟

هل يشارك السودانيون، بمختلف مناطقهم ومكوناتهم، في صناعة الدستور؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن النقاش يصبح نقاشاً حول برنامج سياسي وشخصية عامة.

أما إذا كانت الإجابة أن الرجل هو الضمانة وحدها، فنحن نعيد إنتاج المشكلة القديمة:

نبحث عن شخص ينقذ الدولة بدلاً من بناء دولة لا تحتاج إلى منقذ.

البرهان: مرشح للرئاسة أم مرحلة انتقالية؟

يمكن أن يكون هناك مخرج وسط بين رفض الرجل القوي وقبول الحكم الشخصي.

إذا كان هناك تيار سوداني يرى في البرهان شخصية قادرة على الحفاظ على وحدة الدولة خلال هذه المرحلة، فمن الممكن أن يطرح ترشيحه ضمن مشروع دستوري واضح، لا باعتباره تفويضاً مفتوحاً.

أي أن تكون رئاسة الجمهورية، إن اختارها الشعب، جزءاً من نظام:

انتخابات + دستور + مؤسسات + مدة محددة + محاسبة + تداول سلمي للسلطة.

عندها لا تكون القضية:

«البرهان أم الديمقراطية؟»

بل:

«هل يستطيع البرهان أن يكون رئيساً داخل ديمقراطية مؤسسية؟»

وهذا سؤال مختلف تماماً.

الدرس من العالم

التاريخ العالمي يقدم درساً مهماً: المجتمعات التي تخاف من الفوضى قد تمنح القائد سلطات واسعة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح السلطة الاستثنائية دائمة.

وفي المقابل، توجد دول نجحت في الجمع بين القيادة التنفيذية القوية والمؤسسات الديمقراطية، لأن قوة الرئيس مقيدة بالدستور والقضاء والبرلمان والانتخابات.

إذن ليست المشكلة في قوة الرئيس.

المشكلة في غياب القيود على قوة الرئيس.

ولهذا فإن السودان لا يحتاج بالضرورة إلى رئيس ضعيف حتى يكون ديمقراطياً، وإنما يحتاج إلى رئيس قوي داخل مؤسسات قوية.

المخرج الأمني قبل المخرج السياسي

هناك حقيقة ينبغي الاعتراف بها: لا يمكن بناء ديمقراطية مستقرة فوق الخوف.

فالمواطن الذي لا يشعر بالأمان لن يهتم كثيراً بشكل النظام السياسي.

لذلك يحتاج السودان إلى ترتيب الأولويات:

السلام → الأمن → وحدة الدولة → بناء المؤسسات → دستور دائم → انتخابات حرة.

لكن هذه المراحل لا ينبغي أن تعني تأجيل الحرية إلى أجل غير معلوم.

فالخطر هو أن نقول:

نؤجل الديمقراطية حتى يستقر السودان.

ثم تمر السنوات، ويصبح «الانتقال المؤقت» نظاماً دائماً.

لذلك يجب أن تكون المرحلة الانتقالية محددة الأهداف والمدة والضمانات.

المخرج ليس إلغاء الديمقراطية بل إصلاحها

السودان لا يحتاج إلى استيراد نموذج ديمقراطي جاهز.

نحتاج إلى ديمقراطية سودانية تناسب مجتمعاً متعدد القبائل والمناطق والثقافات والتوجهات.

ديمقراطية تمنع:

هيمنة الأغلبية العددية على الأقلية.

تحويل القبيلة إلى حزب سياسي.

احتكار العاصمة للقرار.

استخدام الدين لإلغاء الآخر.

استخدام الجيش للوصول إلى السلطة.

استخدام الانتخابات لإقصاء الآخرين.

تحويل الأحزاب إلى ملكيات شخصية.

نحتاج إلى نظام سياسي يقوم على المواطنة، واللامركزية، والتوازن بين السلطات، والتمثيل العادل للأقاليم، واستقلال القضاء، وقوة المؤسسات.

الإسلام يقدم مخرجاً مهماً

الإسلام لا يضع الإنسان أمام خيارين: الطاعة العمياء أو الفوضى.

فهو يجمع بين القيادة والشورى والعدل والأمانة.

قال تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.

وقال:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.

وقال:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.

المعنى السياسي الأهم هنا أن السلطة أمانة وليست ملكاً شخصياً.

ومن ثم يمكن أن نحترم الكبير دون أن نقدسه، ونحترم الرئيس دون أن نجعله فوق القانون، ونحترم الجيش دون أن نجعله بديلاً عن الدولة.

من «الرجل المنقذ» إلى «الدولة المنقذة»

ربما يكون السودان اليوم أمام فرصة تاريخية.

بدلاً من أن نسأل:

من ينقذ السودان؟

يجب أن نسأل:

كيف نبني دولة لا تحتاج إلى منقذ؟

وإذا اختار السودانيون البرهان أو غيره رئيساً للجمهورية، فإن الشرط الحقيقي للنجاح ليس اسم الرئيس وحده، وإنما النظام الذي سيحكم الرئيس.

فالرئيس المنتخب يمكن أن يتحول إلى مستبد إذا غابت المؤسسات.

والرئيس القوي يمكن أن يصبح عامل استقرار إذا احترم الدستور.

والديمقراطية يمكن أن تفشل إذا مارسها المجتمع بعقلية الولاء الشخصي.

والحرية يمكن أن تضيع إذا لم تجد دولة تحميها.

الخروج من الدائرة

لقد ظل السودان يتحرك في دائرة:

فوضى → خوف → رجل قوي → استبداد → ثورة → حرية → فوضى.

والحل ليس العودة إلى نقطة البداية.

الحل هو كسر الدائرة.

نحتاج إلى:

حرية منضبطة بالقانون،

وأمن يحمي الحرية،

ورئيس قوي لا فوق القانون،

وجيش قوي لا يحكم الدولة،

وأحزاب قوية لا تملك الدولة،

وقضاء قوي يحمي المواطن،

ومواطن قوي لا يخاف من الحاكم.

عندها فقط يمكن أن تنتقل البلاد من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات.

فإذا كان هناك من يرى أن عبد الفتاح البرهان هو رجل المرحلة، فليكن السؤال الوطني:

هل يستطيع أن يكون رجل دولة، لا مجرد رجل قوي؟

وهل تستطيع القوى السياسية والمدنية والعسكرية أن تتفق على نظام يجعل قوة الرئيس جزءاً من قوة الدولة، لا بديلاً عنها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من الإجابة عن سؤال: من يحكم السودان؟

لأن السودان لا يحتاج فقط إلى تغيير الحاكم.

السودان يحتاج إلى تغيير العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ومن هنا يبدأ الخروج الحقيقي من الخوف إلى الأمن، ومن الأمن إلى الاستقرار، ومن الاستقرار إلى الحرية، ومن الحرية إلى دولة المؤسسات.

فالحرية بلا دولة تحميها قد تتحول إلى فوضى، والدولة بلا حرية قد تتحول إلى استبداد؛ أما الدولة القوية التي تحمي الحرية فهي المخرج الثالث الذي يبحث عنه السودان.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى