مقالات

د. حسين العالم يكتب : الغربال + الديون مقابل الاستثمار.. هل يفتح السودان باباً جديداً للخروج من الأزمة أم يدخل منطقة المخاطر

متابعات مرآة-السودان.. الديون مقابل الاستثمار.. هل يفتح السودان باباً جديداً للخروج من الأزمة أم يدخل منطقة المخاطر

الديون مقابل الاستثمار.. هل يفتح السودان باباً جديداً للخروج من الأزمة أم يدخل منطقة المخاطر؟

لم يكن المقترح الذي طرحه رئيس الوزراء السوداني بشأن معالجة الديون الخارجية عبر تحويلها إلى شراكات استثمارية مجرد فكرة اقتصادية عابرة، بل فتح نقاشاً واسعاً حول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الاقتصاد السوداني: كيف يمكن لدولة أنهكتها الحرب، وتراكمت عليها الديون، أن تستعيد عافيتها المالية دون أن تثقل كاهل موازنتها أو تمس سيادتها الوطنية؟

يقوم المقترح على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها معقدة في تفاصيلها؛ إذ يدعو إلى منح الدول الدائنة فرصاً استثمارية في مشروعات إنتاجية أو خدمية داخل السودان، بحيث تُسدد الديون تدريجياً من العوائد التي تحققها تلك المشروعات، بدلاً من السداد النقدي المباشر الذي يصعب على الدولة الوفاء به في الظروف الراهنة. وبهذا تتحول العلاقة من “دائن ومدين” إلى “شريك ومستثمر”، وهو تحول قد يحمل فرصاً كبيرة إذا أُحسن تصميمه وتنفيذه.

اقتصادياً، تبدو الفكرة منطقية، بل إنها تنتمي إلى الأدوات الحديثة لإدارة الديون التي لجأت إليها دول عديدة واجهت أزمات مالية مشابهة. فبدلاً من استنزاف الاحتياطيات المحدودة من النقد الأجنبي، يمكن توجيه الاستثمارات نحو قطاعات الإنتاج والزراعة والطاقة والبنية التحتية، بما يسهم في خلق فرص عمل، وزيادة الصادرات، وتحريك عجلة الاقتصاد، وفي الوقت نفسه يمنح الدائن مصلحة مباشرة في نجاح المشروع واستدامته.

ولا تُعد هذه الآلية ابتكاراً سودانياً، فقد شهد العالم تجارب متنوعة في هذا المجال. فقد استخدمت الصين نماذج تقوم على تحويل الديون إلى استثمارات في مشروعات البنية التحتية والطاقة والموانئ في عدد من الدول. كما نفذت مصر برامج لمبادلة بعض الديون بمشروعات تنموية، بينما طبقت إندونيسيا ودول في أمريكا اللاتينية برامج لتحويل الديون إلى استثمارات في مشروعات التنمية والبيئة، وهي تجارب تؤكد أن الفكرة معروفة في الأدبيات الاقتصادية، وإن كانت نتائجها تختلف باختلاف ظروف كل دولة وقدرتها على الإدارة الرشيدة.

غير أن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بالجدوى الاقتصادية، بل بالسيادة الوطنية. فهل يمكن أن تتحول هذه الشراكات إلى وسيلة تمنح أطرافاً خارجية نفوذاً يتجاوز حدود الاستثمار؟

الإجابة لا يمكن أن تكون مطلقة. فالخطر لا يكمن في الفكرة نفسها، وإنما في طريقة تنفيذها. فإذا مُنحت الشركات الأجنبية امتيازات طويلة الأجل في قطاعات استراتيجية، أو أُبرمت العقود بعيداً عن الشفافية والرقابة، أو تضمنت بنوداً تُقيد حق الدولة في مراجعتها، فإن المشروع قد يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي، وربما يثير مخاوف مشروعة بشأن السيادة الوطنية. أما إذا خضعت الاتفاقيات لقوانين واضحة، وحددت مددها وضماناتها بدقة، واقتصرت على القطاعات الإنتاجية غير السيادية، فإنها تصبح شراكات اقتصادية طبيعية لا تختلف كثيراً عما هو معمول به في كثير من دول العالم.

لكن خصوصية الحالة السودانية تجعل تنفيذ هذا المقترح أكثر تعقيداً من غيره. فالسودان لا يواجه أزمة ديون فحسب، بل يعيش آثار حرب مدمرة، ويعاني هشاشة مؤسسية، وغياب مؤسسات تشريعية منتخبة، وضعفاً في البيئة القانونية، وتراجعاً في ثقة المستثمرين، فضلاً عن تحديات تتعلق بالبنية التحتية والاستقرار السياسي. وهذه العوامل قد تدفع كثيراً من الدول الدائنة إلى المطالبة بضمانات إضافية قبل الدخول في أي شراكة استثمارية.

ومن هنا تبرز مجموعة من المعوقات الداخلية التي لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها استمرار الحرب، وضعف الإطار القانوني المنظم للاستثمار، وغياب قواعد الحوكمة والشفافية، وعدم اكتمال قاعدة البيانات الخاصة بأصول الدولة، فضلاً عن الحاجة إلى جهاز إداري يمتلك الكفاءة اللازمة لإدارة مشروعات بهذا الحجم والتعقيد.

وفي المقابل، لن تقدم الدول الدائنة على مثل هذه الشراكات من دون ضمانات واضحة، تشمل استقرار البيئة السياسية، وحماية الاستثمارات، ووضوح السياسات الاقتصادية، وإمكانية تحويل الأرباح، إضافة إلى نظام قضائي قادر على الفصل في النزاعات التجارية بكفاءة واستقلالية.

وبين خيار السداد النقدي الذي يبدو بالغ الصعوبة في الظروف الحالية، وخيار تحويل الديون إلى استثمارات، تبدو الكفة الاقتصادية أكثر ميلاً إلى الخيار الثاني، لكنه ليس طريقاً معبداً بالنجاح. فهو يحتاج إلى مؤسسات قوية، وتشريعات حديثة، ورؤية اقتصادية متماسكة، وإدارة تفاوضية محترفة قادرة على حماية المصالح الوطنية وتحقيق التوازن بين جذب الاستثمار وصون السيادة.

إن نجاح هذا الطرح لن يتحدد بذكاء الفكرة وحده، وإنما بقدرة الدولة على وضع ضوابط صارمة تحول دون تحول الشراكة إلى ارتهان، ودون أن تصبح الحاجة الاقتصادية مدخلاً للتفريط في الأصول الاستراتيجية أو الحقوق السيادية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الدول لا تخسر سيادتها بسبب الاستثمار، وإنما بسبب سوء إدارة الاستثمار.

ولعل التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم ليس في إيجاد أفكار جديدة لمعالجة الديون، بل في بناء مؤسسات قادرة على تنفيذ تلك الأفكار بكفاءة وشفافية. فإذا تحقق ذلك، فقد يصبح تحويل الديون إلى استثمارات إحدى أهم أدوات إعادة الإعمار وتحفيز النمو الاقتصادي بعد الحرب. أما إذا غابت الحوكمة الرشيدة، فإن أفضل الأفكار قد تتحول إلى بداية لأزمات جديدة، لا إلى نهاية للأزمات القديمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى