د. حسين العالم يكتب : الغربال +.. مسعد بولس.. ماذا يحمل للخرطوم
متابعات مرآة-السودان د. حسين العالم يكتب : الغربال +.. مسعد بولس.. ماذا يحمل للخرطوم
مسعد بولس.. ماذا يحمل للخرطوم
في علم السياسة، لا تأتي المبادرات الدولية من فراغ، ولا تتحرك القوى الكبرى بدافع العمل الإنساني وحده، كما أنها لا تنفق الوقت والمال والجهد من أجل حل أزمة لا تمس مصالحها. هذه قاعدة تكاد تكون ثابتة في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والسودان ليس استثناءً منها
فالولايات المتحدة، منذ استقلال السودان عام 1956، ظلت تنظر إلى هذا البلد بوصفه رقعة جغرافية ذات أهمية استثنائية. ومع تغير الإدارات في واشنطن، من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، تغيرت الأدوات، لكن الأهداف الكبرى بقيت متقاربة: الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتأمين البحر الأحمر، ومنع ظهور فراغ تستفيد منه قوى منافسة.
في سبعينيات القرن الماضي كان السودان حليفاً مهماً للغرب في مواجهة المد السوفيتي. وفي التسعينيات دخل مرحلة العزلة والعقوبات. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبح ملف مكافحة الإرهاب هو العنوان الأبرز للعلاقة بين البلدين. ثم جاءت اتفاقية نيفاشا، التي لعبت فيها واشنطن دوراً محورياً، باعتبارها نموذجاً لتسوية نزاع طويل عبر التفاوض الدولي.
ولكن نيفاشا، رغم نجاحها في إنهاء الحرب بين الشمال والجنوب، كشفت أيضاً حقيقة مهمة، وهي أن الاتفاقات التي تُعالج أزمة محددة، ولا تُعالج جذور الأزمة الوطنية، قد تؤجل الصراع أكثر مما تنهيه.
ومنذ ذلك الوقت، ظل السودان ينتقل من تسوية إلى أخرى، ومن مرحلة انتقالية إلى أخرى، حتى وصل إلى الحرب الحالية، التي تُعد أخطر أزمة تواجه الدولة السودانية منذ الاستقلال
- فلذلك ليست كل زيارة لمسؤول دولي مجرد محطة دبلوماسية عابرة، فبعض الزيارات تحمل رسائل، وبعضها يحمل مبادرات، وبعضها الآخر يكشف أن مرحلة جديدة توشك أن تبدأ. ومن هنا، فإن إعلان كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، استعداده للسفر إلى الخرطوم عقب حديثه عن قبول رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لمقترح سلام جديد، فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات تتجاوز الزيارة نفسها: هل تحمل واشنطن خريطة طريق جديدة؟ وهل اكتملت ترتيبات التسوية؟ أم أن الأمر لا يزال في إطار جسّ النبض واختبار مواقف الأطراف؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال التصريحات وحدها، لأن السياسة الدولية لا تُقرأ من الكلمات، بل من السياقات. وزيارة بولس – إن تمت – لا يمكن فصلها عن مسار طويل من التحركات الدولية التي بدأت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ولا عن تاريخ العلاقة الأمريكية بالسودان، ولا عن التنافس الإقليمي والدولي الذي جعل السودان واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في القارة الإفريقية.
من هو مسعد بولس؟ ولماذا يهم حضوره؟
قد لا يكون اسم مسعد بولس مألوفاً لدى كثير من السودانيين، لكنه اليوم أحد الوجوه المؤثرة في رسم السياسة الأمريكية تجاه العالمين العربي والإفريقي. فهو لا يتحرك بوصفه دبلوماسياً تقليدياً، بل باعتباره مستشاراً قريباً من مركز صناعة القرار في البيت الأبيض، الأمر الذي يجعل أي تحرك له يعكس توجهاً سياسياً مدروساً، لا مجرد مبادرة شخصية.
وعندما يعلن مسؤول بهذا المستوى استعداده لزيارة الخرطوم، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى الحكومة السودانية وحدها، بل إلى جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة.
السودان… من أزمة داخلية إلى ملف دولي
الحرب التي اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم تبقَ شأناً داخلياً طويلاً. فسرعان ما تحولت إلى قضية تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، وأمن البحر الأحمر، والهجرة غير النظامية، والإرهاب، والتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، فضلاً عن مصالح دول الجوار.
وهذا يفسر لماذا تعددت المبادرات وتنوعت المنابر، من جدة إلى برلين، ومن أديس أبابا إلى نيروبي، مروراً باجتماعات الرباعية والآلية الخماسية، واللقاءات التي رعتها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد.
ورغم اختلاف العناوين، فإن هذه المسارات كانت تتحرك في اتجاه واحد: البحث عن صيغة توقف الحرب وتعيد تشكيل المشهد السياسي السوداني.
سياسة أمريكية قديمة بأدوات جديدة
من الخطأ الاعتقاد أن الاهتمام الأمريكي بالسودان بدأ مع الحرب الحالية.
فالولايات المتحدة كانت لاعباً رئيسياً في اتفاقية نيفاشا عام 2005، وأسهمت بصورة مباشرة في إنهاء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، ثم دعمت المرحلة التي انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011.
وبعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير عام 2019، عادت واشنطن بقوة إلى الملف السوداني، دعماً للمرحلة الانتقالية، قبل أن تتعقد الأوضاع مجدداً عقب أحداث أكتوبر 2021، ثم تنفجر الحرب في أبريل 2023.
ومن خلال هذا المسار، يتضح أن السياسة الأمريكية لم تتغير في أهدافها الأساسية؛ فهي تسعى إلى سودان مستقر، قادر على منع تمدد الجماعات المتطرفة، وحماية أمن البحر الأحمر، وعدم التحول إلى ساحة نفوذ منافسة لروسيا أو الصين.
هل كانت المؤتمرات مجرد اجتماعات؟
يعتقد البعض أن تعدد المؤتمرات والوساطات دليل على غياب الرؤية، لكن القراءة الاستراتيجية تشير إلى احتمال آخر، وهو أن هذه الاجتماعات كانت تمثل مراحل متكاملة لبناء توافق دولي حول شكل التسوية.
فمنبر جدة ركز على الجوانب الإنسانية والعسكرية، بينما عملت ألمانيا على توحيد المواقف الغربية، وتحرك الاتحاد الإفريقي عبر إثيوبيا، وسعت كينيا إلى تنشيط دور الإيقاد، في حين أدارت الولايات المتحدة وشركاؤها شبكة واسعة من الاتصالات مع القوى الإقليمية.
ولذلك، فإن زيارة بولس – إذا تمت – قد تكون انتقالاً من مرحلة الإعداد إلى مرحلة محاولة التنفيذ، لا بداية للمسار.
هل أصبحت الخرطوم أمام أمر واقع؟
هذا السؤال يتردد كثيراً، لكنه يحتاج إلى قدر من الحذر.
صحيح أن الضغوط الدولية تتزايد، وأن القوى الكبرى تبدو أكثر رغبة في إنهاء الحرب، لكن من الصعب القول إن التسوية أصبحت أمراً واقعاً.
فالتاريخ السوداني مليء بالاتفاقيات التي وُقعت تحت رعاية دولية ثم تعثرت عند التنفيذ، لأن التوافق الخارجي لم يقابله توافق داخلي.
ولذلك، فإن أي مبادرة، مهما بلغت قوة داعميها، ستظل بحاجة إلى قبول سوداني واسع حتى تصبح قابلة للحياة.
صراع المصالح… لا صراع المبادئ
لفهم المشهد، لا بد من النظر إلى مصالح القوى المختلفة.
فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على توازنات البحر الأحمر ومنع توسع نفوذ منافسيها.
وروسيا تنظر إلى السودان بوصفه منفذاً استراتيجياً نحو المياه الدافئة وحضوراً في إفريقيا.
أما الصين، فتركز على حماية استثماراتها ومشروعاتها الاقتصادية ضمن مبادرة الحزام والطريق.
وتتعامل مصر مع استقرار السودان باعتباره جزءاً من أمنها القومي، بينما ترى دول الخليج في السودان شريكاً مهماً في أمن البحر الأحمر والأمن الغذائي والاستثمارات.
وهذا يعني أن السودان أصبح نقطة التقاء لمصالح متعددة، تتفق أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى.
ما الذي تستطيع الخرطوم فعله؟
إذا كانت الضغوط الدولية تتزايد، فإن الخيارات أمام الخرطوم ليست معدومة.
فيمكنها الدخول في تفاوض نشط يحافظ على الثوابت الوطنية، ويطالب بضمانات واضحة لأي اتفاق، ويعمل على توسيع دائرة التوافق الداخلي، حتى لا تتحول أي تسوية إلى اتفاق بين الخارج وبعض الأطراف، بل إلى مشروع وطني يحظى بقبول السودانيين.
فالخبرة التاريخية تؤكد أن الاتفاقات التي لا تنبع من الداخل تظل أكثر عرضة للانهيار مهما بلغت قوة داعميها.
ماذا بعد زيارة بولس؟
إذا تمت الزيارة، فمن المرجح أن تكون إحدى أربع محطات:
إما إطلاق مسار سياسي جديد يحظى بدعم إقليمي ودولي، أو تثبيت هدنة إنسانية تمهد لمفاوضات أطول، أو ممارسة مزيد من الضغوط لدفع الأطراف نحو تنازلات متبادلة، أو اختبار فرص التسوية قبل إعادة تقييم الموقف الأمريكي.
لكن أياً كان السيناريو، فإن نجاحه سيظل مرتبطاً بإرادة السودانيين أنفسهم، لا بالوسيط وحده.
الخلاصة
ومن هنا، فإن زيارة مسعد بولس لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا التاريخ الطويل.
فالولايات المتحدة لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار، وإنما عن شكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب، وطبيعة مؤسساتها، وموقعها في الإقليم، وعلاقاتها مع القوى الدولية. وهذا هو جوهر الصراع الحقيقي.
فالمعركة لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على مدينة أو ولاية، وإنما حول السؤال الأكبر: أي سودان سيولد بعد الحرب؟
هل سيكون سوداناً موحداً بمؤسسات قوية؟
أم دولة ضعيفة تعتمد على التوازنات الخارجية؟
أم ساحة مفتوحة لتنافس القوى الدولية والإقليمية؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح زيارة بولس أهميتها الحقيقية.
ولذلك، فإن اختزالها في مجرد زيارة لمسؤول أمريكي يقلل من دلالاتها السياسية.
فقد تكون الزيارة بداية لمرحلة جديدة من التفاوض، وقد تكون محاولة أخيرة لاختبار فرص السلام، وقد تكون رسالة إلى جميع الأطراف بأن المجتمع الدولي قرر الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة إنهائها
وربما يحمل مسعد بولس رسالة أمريكية مختلفة، لكن المؤكد أن الرجل لن يأتي وحده؛ سيأتي محملاً بحسابات واشنطن، ومصالح حلفائها، ونتائج عشرات الاجتماعات التي عُقدت خلال العامين الماضيين، وتوقعات المجتمع الدولي بشأن مستقبل السودان.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تُبنى بالضغوط الخارجية وحدها، ولا تنهض بالمبادرات الدولية مهما كانت جادة، وإنما تنهض عندما تمتلك مشروعاً وطنياً يجمع أبناءها حول رؤية مشتركة.
لكن، مهما كان الهدف، فإن العامل الحاسم سيظل سودانياً.
فالتاريخ لا يكتبه الوسطاء، بل تكتبه الشعوب عندما تتفق على مشروعها الوطني.
لقد شهد السودان عشرات المبادرات، من اتفاقية أديس أبابا عام 1972، إلى نيفاشا، إلى الوثيقة الدستورية، إلى منبر جدة، مروراً بمبادرات الاتحاد الإفريقي والإيقاد والأمم المتحدة.
غير أن معظم تلك المبادرات اصطدمت بحقيقة واحدة، وهي أن الانقسام الداخلي كان دائماً أعمق من أي توافق خارجي.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام السودانيين اليوم لا يتمثل في قبول مبادرة أو رفضها، وإنما في امتلاك رؤية وطنية تجعلهم شركاء في صناعة الحل، لا مجرد متلقين له.
فإذا نجح السودانيون في ذلك، ستصبح زيارة مسعد بولس مجرد محطة في طريق السلام.
أما إذا بقي الانقسام كما هو، فقد تتحول الزيارة إلى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المبادرات التي تبدأ بكثير من الآمال، وتنتهي بكثير من الخيبات.
وهنا يبرز سؤال ربما يكون الأكثر إلحاحاً في هذه اللحظة التاريخية:
هل يتعامل السودانيون مع زيارة بولس باعتبارها فرصة لإعادة بناء الدولة، أم باعتبارها مجرد جولة جديدة في صراع الإرادات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير المبادرة الأمريكية، بل قد تحدد أيضاً شكل السودان لعقود مقبلة
ولعل السؤال الحقيقي ليس: متى يصل مسعد بولس إلى الخرطوم؟ بل: بأي رؤية ستستقبل الخرطوم هذه الزيارة؟ وهل ستتعامل معها باعتبارها فرصة لانتزاع أفضل ما يمكن للسودان، أم باعتبارها محطة جديدة في مسلسل إدارة الأزمة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير زيارة دبلوماسية فحسب، بل قد تسهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة من تاريخ السودان، في لحظة تتقاطع فيها الإرادة الوطنية مع الحسابات الإقليمية والدولية، ويصبح القرار السوداني نفسه هو الرهان الأكبر.






