د. حسين العالم يكتب: الغربال + بين الوحي والزخرف
متابعات مرآة-السودان حسين العالم يكتب: الغربال + بين الوحي والزخرف
بين الوحي والزخرف
منذ أن بدأ الإنسان يطرح أسئلته الكبرى حول الوجود والمعنى والغاية، ظل يبحث عن معادلة تضمن له الحرية والكرامة والعدل. وبينما جاءت الرسالات السماوية لتجيب عن هذه الأسئلة من منطلق الوحي الإلهي، ظهرت عبر التاريخ فلسفات ونظريات بشرية حاولت تقديم إجابات أخرى تنطلق من العقل والتجربة الإنسانية. ومن هنا نشأ الجدل المستمر بين المرجعيات الدينية والفكرية، وهو جدل لم يتوقف حتى يومنا هذا.
القرآن الكريم يقدم رؤية عميقة لطبيعة هذا الصراع حين يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فالآية لا تتحدث فقط عن خصومة بين أشخاص أو جماعات، وإنما عن صراع دائم على الوعي الإنساني، بين الحقيقة كما هي، والحقيقة كما يراد لها أن تُرى.
وفي المقابل، شهد التاريخ الأوروبي تجربة مختلفة قادت إلى ظهور العلمانية الحديثة. فقد جاءت كرد فعل على تغوّل الكنيسة وهيمنتها على المجتمع والسياسة والعلم، حتى تحولت إلى سلطة تحتكر الحقيقة وتفرض وصايتها على الناس. ومن رحم هذا الصراع وُلدت الدعوات إلى فصل الدين عن الدولة، وإقامة نظام سياسي يقوم على الإرادة الشعبية والعقل الإنساني بدلاً من السلطة الكنسية.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الأسماء والمصطلحات بقدر ما يكمن في السؤال الجوهري: ماذا يريد الإنسان؟ وما الغاية التي خُلق من أجلها؟
الإسلام ينطلق من أن الإنسان مخلوق مكرّم، جعله الله خليفة في الأرض، ومنحه العقل والإرادة والحرية والمسؤولية. ولذلك فإن الحرية في التصور الإسلامي ليست منحة من سلطة سياسية ولا امتيازاً اجتماعياً، بل هي جزء من التكريم الإلهي للإنسان. فالقرآن يقرر قاعدة عظيمة بقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ويجعل المسؤولية الفردية أساس الحساب والثواب والعقاب.
أما الفكر العلماني، في صورته الفلسفية العامة، فقد انطلق هو الآخر من الدفاع عن الإنسان وحريته وكرامته، لكنه جعل المرجعية النهائية للعقل البشري والتجربة الإنسانية. وهنا يبرز موضع الالتقاء وموضع الاختلاف مع الرؤية الإسلامية.
فالالتقاء يظهر في الدفاع عن كرامة الإنسان، ورفض الاستبداد، والمطالبة بالعدالة، والسعي إلى حماية الحقوق والحريات العامة. أما الاختلاف فيكمن في مصدر هذه القيم ومرجعيتها النهائية؛ فالإسلام يربطها بالله تعالى وبالمقاصد الأخلاقية التي أنزلها في الوحي، بينما تجعلها العلمانية نتاجاً لإرادة الإنسان وتوافقاته التاريخية المتغيرة.
ولهذا فإن محاولة التوفيق بين الإسلام والعلمانية لا تكون عبر إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بل عبر التمييز بين المبادئ المشتركة والمرجعيات المختلفة. فالحرية ليست حكراً على الفكر العلماني، كما أن الكرامة الإنسانية ليست اكتشافاً حديثاً منفصلاً عن الدين. وفي الوقت نفسه فإن تجارب الاستبداد التي مورست أحياناً باسم الدين لا تمثل جوهر الرسالات السماوية، تماماً كما أن بعض صور الاستبداد الحديثة لا تمثل جوهر فكرة الحرية التي رفعتها النظم العلمانية.
لقد أدرك عدد من المفكرين المعاصرين هذه الحقيقة، فحاولوا البحث عن صيغة تجمع بين قيم الإسلام ومكتسبات الدولة الحديثة. ومن أبرز هؤلاء راشد الغنوشي الذي رأى أن الديمقراطية ليست نقيضاً للشورى، وأن المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة وحماية الحقوق يمكن أن تجد جذورها داخل المنظومة الإسلامية نفسها إذا فُهمت مقاصد الشريعة فهماً عميقاً ومتجدداً.
غير أن التحدي الأكبر لا يزال قائماً. فالمشكلة ليست دائماً في النصوص أو النظريات، بل في الإنسان نفسه. فالقرآن يلفت النظر إلى أن الضلال لا ينشأ من قوة الباطل وحدها، بل من استعداد النفس لقبوله. ولذلك كانت معركة الأنبياء الأساسية مع “زخرف القول” الذي يزين الأوهام ويمنحها مظهر الحقيقة.
إن السؤال الذي يواجه الإنسان المعاصر ليس: هل يختار الدين أم العلمانية؟ بل كيف يحافظ على إنسانيته وحريته وكرامته دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية. فحين تنفصل الحرية عن القيم تتحول إلى فوضى، وحين تنفصل السلطة عن الحرية تتحول إلى استبداد، وحين ينفصل الدين عن مقاصده يتحول إلى شعارات جامدة.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي هو القدرة على التمييز بين الوحي الذي يحرر الإنسان، والزخرف الذي يستعبد عقله. فالمعركة الكبرى ليست بين الشرق والغرب، ولا بين المتدين والعلماني، بل بين الحقيقة والوهم، وبين من يبحث عن الفهم ومن يكتفي بترديد ما اعتاده.
وهكذا يظل الإنسان، في كل عصر، واقفاً عند مفترق طرق: طريق يقوده إلى معرفة ذاته وربه ورسالة وجوده، وطريق آخر تزينه الشعارات البراقة والوعود السهلة. وبين الطريقين تتجدد الأسئلة، ويبقى الوعي هو البوصلة التي لا غنى عنها.









