
شرق البقعة.. من ركام الحرب إلى صناعة الحياة

عبلة محمد إسماعيل إبراهيم.. امرأة تصنع المستحيل
من بين ركام الحرب وآثار الدمار، وفي واحدة من أكثر المناطق التي أنهكتها ظروف النزوح والخراب، بدأت وحدة شرق البقعة بمحلية أمبدة رحلة استعادة الحياة، لتقدم نموذجاً ملهماً في الإرادة والعمل الميداني، بقيادة مديرة الوحدة الإدارية عبلة محمد إسماعيل إبراهيم.
لم تكن شرق البقعة، التي كانت قبل الحرب منطقة عامرة بالحياة والحركة والخدمات، تشبه ما هي عليه اليوم. فقد أدت الحرب إلى نزوح أعداد كبيرة من سكانها، وألحقت أضراراً بالغة بالمرافق العامة والبنية التحتية، وتركت عدداً من المنازل والمنشآت في حالة بالغة الصعوبة.لكن المشهد بدأ يتغير بعد التحرير.
من آثار الحرب إلى بداية التعافي
منذ اليوم الأول، وضعت إدارة وحدة شرق البقعة هدفاً واضحاً أمامها: إعادة الحياة إلى المنطقة، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى منازلهم واستئناف حياتهم الطبيعية.
وكانت البداية من حيث يجب أن تبدأ: إزالة مخلفات الحرب، وتنظيف وتأهيل مبنى الوحدة الإدارية، وتهيئة بيئة العمل حتى تتمكن المؤسسات الحكومية من العودة إلى أداء واجباتها وخدمة المواطنين.
وفي قلب هذا العمل برزت عبلة محمد إسماعيل إبراهيم، التي عُرفت بالجدية والحزم والانضباط والعطاء، وبقدرتها على إدارة العمل الميداني في ظروف بالغة التعقيد.
فهي ليست إدارية تجلس خلف المكاتب، وإنما حاضرة في الميدان، تتابع التفاصيل، وتنسق الجهود، وتعمل مع فريق متكامل يضم المهندسين، وضباط الصحة، وموظفي التنمية الاجتماعية، إلى جانب مختلف الإدارات والجهات ذات الصلة.
كما حرصت إدارة الوحدة على تنسيق الجهود مع لجان التسيير والشباب والمرأة والطلاب، وأهل الدعوة، والرياضيين، ولجان الخدمات والمبادرات المجتمعية، إدراكاً منها بأن إعادة بناء المجتمع لا يمكن أن تتم بجهد حكومي منفرد.
شراكة مجتمعية تعيد الحياة
بالتعاون مع لجان الخدمات والخيرين وأبناء المنطقة، انطلقت حملات لإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية وتحسين البيئة العامة، الأمر الذي أسهم في تهيئة الظروف أمام عودة المواطنين إلى أحيائهم.
كما أولت الإدارة اهتماماً خاصاً بملفات المياه والكهرباء والنظافة والصحة والتعليم، باعتبارها أساساً لا غنى عنه لاستقرار السكان وعودة الحياة إلى طبيعتها.
وكانت زيارة والي ولاية الخرطوم إلى المنطقة محطة مهمة، إذ أتاحت الوقوف ميدانياً على احتياجات شرق البقعة، ودفعت باتجاه تعزيز جهود الإعمار وتحسين الخدمات.
مبادرات أهلية تصنع الفارق
وفي مشهد يعكس روح التكافل السوداني، برزت مبادرات مجتمعية تركت أثراً واضحاً في المنطقة.
ومن بينها مبادرة السيدة عوضية سمك، التي أسهمت في إعادة إعمار مدرسة مصعب بن عمير والمساهمة في تأهيل جامع الشيخة موزة، لتؤكد أن المجتمع، رغم قسوة الحرب، لا يزال قادراً على صناعة الأمل.
كما تجسدت روح المبادرة في قيام منسق الوحدة الإدارية بصيانة وتأهيل مبنى الوحدة على نفقته الخاصة، في خطوة تعكس الإحساس بالمسؤولية والرغبة في توفير بيئة مناسبة للعاملين وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
الطريق لم يكتمل بعد
ورغم ما تحقق من خطوات مهمة، فإن الطريق أمام شرق البقعة لا يزال طويلاً.
فما زالت آلاف الأسر تواجه ظروفاً إنسانية صعبة، كما فقدت أعداد كبيرة من المنازل أسقفها أو تعرضت لأضرار تحول دون عودة أصحابها إليها، وهو أمر يزداد خطورة مع حلول فصل الخريف.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل عاجل من حكومة ولاية الخرطوم، والمنظمات الوطنية والدولية، ورجال الأعمال، والخيرين، وأبناء المنطقة في الداخل والخارج، للمساهمة في توفير مواد البناء والأسقف ومستلزمات إعادة تأهيل المنازل.
فإعادة بناء منزل واحد تعني إعادة أسرة إلى حياتها، وإعادة فتح مدرسة تعني إعادة الأمل إلى جيل كامل، وتأهيل مركز صحي يعني حماية مجتمع بأكمله.
امرأة في الميدان.. وإدارة تصنع المستحيل
قصة شرق البقعة ليست قصة مبانٍ يتم ترميمها وشوارع تتم نظافتها فحسب، وإنما قصة إرادة إنسانية في مواجهة آثار الحرب.
وفي هذه القصة، تبرز تجربة مديرة الوحدة الإدارية عبلة محمد إسماعيل إبراهيم باعتبارها نموذجاً للإدارة الميدانية التي تجمع بين الحزم والمسؤولية وروح المبادرة والعمل وسط الناس.
لقد أثبتت التجربة أن الإدارة الناجحة لا تُقاس فقط بالقرارات التي تصدر من المكاتب، وإنما بما يتحقق على الأرض، وبقدرتها على تحويل الإمكانات المحدودة إلى نتائج ملموسة.
شرق البقعة التي كانت بالأمس شاهدة على آثار الحرب، بدأت اليوم تستعيد عافيتها وتكتب فصلاً جديداً من فصول الحياة.
وربما لا تزال الطريق طويلة، لكن ما تحقق يؤكد أن الإرادة حين تجد قيادة ميدانية واعية، ومجتمعاً متماسكاً، وأيادي بيضاء تؤمن بالعطاء، يمكنها أن تفعل ما يبدو مستحيلاً.
شرق البقعة.. من ركام الحرب إلى الحياة، ومن الألم إلى الأمل، وامرأة في الميدان تصنع المستحيل.









