احمد عبدالرحمن العالم يكتب :محمد كرم الدين حامد العالم.. حين يصنع الإنسان مكانته بين الناس
مت

محمد كرم الدين حامد العالم.. حين يصنع الإنسان مكانته بين الناس
محمد كرم الدين حامد العالم.. سيرة رجلٍ بقي أثره بعد الرحيل
هناك رجال لا تختصرهم سنوات العمر، ولا تُقاس مكانتهم بما حملوه من شهادات، وإنما بما تركوه في حياة الناس من أثرٍ طيب، وما غرسوه في أسرهم ومجتمعاتهم من قيمٍ ومواقف. رجالٌ يمضون من الدنيا، لكن سيرتهم تظل حاضرة في الذاكرة، في المجالس، وفي وجوه من عرفوهم وأحبّوهم.
ومن هؤلاء الرجال يأتي المرحوم محمد كرم الدين حامد العالم؛ رجلٌ نشأ في بيئة عُرفت بالعلم والحكمة، وتوقفت رحلته في التعليم النظامي مبكرًا، لكن الحياة كانت مدرسته الكبرى، فصنع من التجربة معرفة، ومن الحكمة موقفًا، ومن حب الناس مسؤولية وعطاء. عاش بسيطًا، لكنه ترك أثرًا كبيرًا في أسرته ومجتمعه، وظل حاضرًا في شؤون الناس وإصلاح ذات البين وخدمة المجتمع حتى رحيله.
وُلد المرحوم محمد كرم الدين حامد العالم عام 1945م في قرية ود العالم، التابعة لإدارية أيك بمحلية أبوزبد، ولاية غرب كردفان. نشأ وترعرع وسط أسرته أسرة العالم، وهي من الأسر المعروفة في المنطقة بالعلم والمعرفة والحكمة؛ فوالده الشيخ العارف بالله كرم الدين حامد العالم كان حافظًا لكتاب الله ومتفقهًا في العلوم الشرعية، ومن رجال الدين المعروفين في المنطقة، كما كان عمه البروفيسور يوسف حامد العالم عالم من علماء السودان.
تلقى تعليمه في مدرسة الدبكر الأولية حتى الصف الثالث، ثم توقفت مسيرته في التعليم النظامي أثناء توجهه إلى الفولة لأداء امتحان الصف الرابع، برفقة صديقيه محمود حيماد وحسن حيماد، بعد أن سبقتهم العربة التي كانت تنقل الطلاب.
لكن توقف التعليم النظامي لم يكن توقفًا لمسيرة المعرفة والعطاء؛ فقد كانت الحياة مدرسته الكبرى، واكتسب من التجربة والممارسة ما جعله رجلًا حاضرًا في قضايا مجتمعه، معروفًا بالحكمة وبعد النظر وحسن التقدير.
تميز رحمه الله بالنشاط والهمة وحضور البديهة، وكان قريبًا من الجميع؛ مع الصغير صغيرًا، ومع الكبير كبيرًا. نشأ في بيئة البادية، فرعى الأغنام والأبقار، ثم عمل في الزراعة والتجارة والخياطة، وكان ترزيًا ماهرًا ومن أوائل العاملين بهذه المهنة في المنطقة.
وكان من أوائل الوجوه التي حملت بعض مظاهر الحياة الحديثة إلى المنطقة؛ فقد امتلك عجلة رالي وراديو، وكان في المنطقة آنذاك راديوهان فقط؛ أحدهما للتاجر عبيد الطيب والآخر لمحمد كرم الدين. وكان الناس يجتمعون في قرية ود العالم للاستماع إلى الإذاعة وألحان سيد خليفة والكاشف وإبراهيم عوض وفقيع الفول في ليالي القرية وتحت ضوء القمر، في مشاهد ظلت جزءًا من الذاكرة الشعبية لأهل المنطقة.
كان المرحوم شيخ أسرة حامد العالم وممثلها في المحافل الأهلية، كما كان شيخ قرية كرم الدين حامد العالم التابعة لإدارية الدبكر بمحلية السنوط بولاية غرب كردفان
وعُرف بنشاطه الاجتماعي الكبير، حتى لقبه أقرانه بـ**«ضابط القوز»**، وكان دائم التفقد لأحوال الأهل والجيران، حريصًا على معالجة مشكلاتهم، ومشاركًا في المناسبات والقضايا الاجتماعية.
وكان شخصية وفاقية تحظى بالقبول والاحترام بين مختلف مكونات المجتمع، وله حضور في المؤتمرات والمحافل الأهلية، وكانت له كلمة مسموعة ورأي يحظى بالتقدير.
امتدت إسهاماته إلى الدبكر والميعاية والهشيمة وعريديبة، فكان من المؤسسين للتعاون بالدبكر إلى جانب صديقه محمد نوبة، وعضوًا في اللجنة الشعبية للدبكر لعدة دورات، وأسهم في إنشاء المجلس الريفي بعريديبة.
وفي المجال التعليمي، كان عضوًا في المجلس التربوي بمدرسة عريديبة، إسهامًا منه في دعم التعليم والاهتمام بقضايا المدرسة والطلاب.
كما شارك في لجنة توفيق الأوضاع بين الرحل والمزارعين، والمساهمة في فتح وتنظيم المسارات والمحطات، أو «المخطات» كما يسميها أهلنا المسيرية الرحل، للحد من الاحتكاكات وتنظيم حركة المواشي والزراعة وحفظ حقوق الجميع. وضمت اللجنة المرحوم العمدة أحمد شايب، وأبكر سعيد، والعمدة كامل الدودو.
ومن المواقف التي تعكس مكانته وثقة المجتمع به، أنه رُشّح لمنصب عمدة أولاد أبو خريس، إلى جانب سليمان كرياكو وصالح الحسنة. وأثناء المؤتمر خرج المرشحون الثلاثة للتشاور، ثم عادوا إلى المؤتمرين بعد أن توصلوا إلى توافق يقضي بأن يكون سليمان كرياكو عمدةً لأولاد أبو خريس، ومحمد كرم الدين حامد العالم وصالح الحسنة مساعدين له. وقد عكس هذا الموقف روح التوافق وتقديم مصلحة الجماعة على المنافسة الشخصية، وهي قيمة ظلت حاضرة في مسيرته الأهلية.
وكان عضوًا في المحكمة الريفية بالدبكر لعدة دورات، ثم تولى رئاستها وظل يؤدي دوره فيها حتى وفاته، مستندًا إلى حكمته ومعرفته بالأعراف وطبيعة المجتمع. وأسهم بصورة فاعلة في الصلح وفض النزاعات وتقريب وجهات النظر.
وعُرف رحمه الله بالكرم والجود والشهامة وحسن الأخلاق والسيرة، وكان أنيقًا ومهندمًا، حاضر البديهة، ومثقفًا بطبيعته. وكان بيته مفتوحًا للضيوف، ومشاركًا في الاجتماعيات وقضايا الناس، وكان عطاؤه وخدمته للناس بعيدين عن انتظار المقابل.
وقد أكسبته هذه الصفات محبة واحترامًا واسعًا في منطقة الدبكر، وعلى امتداد مناطق من لقاوة والسنوط، فضلًا عن علاقاته وصداقاته مع أهل الكاشا والكاركو ومناطق أخرى.
وفي حياته الخاصة، كان أبًا لعدد من الأبناء والبنات، هم: الأستاذ محمود محمد كرم الدين، والمهندس يوسف محمد كرم الدين، وآدم محمد كرم الدين، وأحمد محمد كرم الدين، وموسى محمد كرم الدين، وداني محمد كرم الدين، وفتح الرحمن محمد كرم الدين، وروضة محمد كرم الدين، وفاطمة محمد كرم الدين، وعواطف محمد كرم الدين، وأم جمعة محمد كرم الدين، وزينب محمد كرم الدين، وسعاد محمد كرم الدين، وهويدا محمد كرم الدين.
توفي المرحوم محمد كرم الدين حامد العالم عام 2001م، لكن رحيله لم ينهِ حضوره؛ فقد بقيت سيرته في ذاكرة أسرته وأهله وكل من عرفه. بقي في الحكايات التي تُروى عنه، وفي المواقف التي وقف فيها مع الناس، وفي الإصلاحات التي سعى إليها، وفي البيت الذي ظل عنوانًا للكرم والضيافة.
رحم الله محمد كرم الدين حامد العالم؛ فقد رحل الجسد، وبقي الأثر، وغابت الملامح، وبقيت السيرة. نسأل الله أن يجعل كل خطوةٍ خطاها في خدمة أهله ومجتمعه، وكل موقفٍ أصلح فيه بين الناس، وكل معروفٍ قدمه، وكل بابٍ فتحه للضيف والمحتاج، نورًا له في قبره ورفعةً في درجاته.
سيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة من عرفوه، لا لأنه كان صاحب منصب أو شهادة، بل لأنه كان إنسانًا ترك في الناس أثرًا طيبًا… وتلك هي السيرة التي لا يمحوها الرحيل.









