
كرري.. حكاية ما وراء الصمود
منذ اندلاع الحرب في ولاية الخرطوم، وجدت محلية كرري نفسها أمام واقع إداري وخدمي مختلف تماماً عن طبيعة عملها المعتادة. فمع خروج أعداد كبيرة من سكان المحليات المتأثرة بالقتال، أصبحت كرري واحدة من أهم المناطق التي استقبلت النازحين، كما احتضنت مؤسسات حكومية، وتحولت لفترة من الزمن إلى مركز لاستمرار عمل حكومة ولاية الخرطوم.
لم تكن المسألة مجرد زيادة في عدد السكان، وإنما انتقال جزء كبير من أعباء الولاية إلى محلية محدودة الموارد، في وقت كانت فيه الحرب تعطل الخدمات وتفرض تحديات أمنية واقتصادية ولوجستية متواصلة.
كرري.. الوجهة الآمنة لسكان ولاية الخرطوم
مع اتساع نطاق العمليات العسكرية في الخرطوم وأم درمان وبحري، اتجهت أعداد كبيرة من المواطنين إلى محلية كرري، التي وفرت لهم قدراً من الأمان مقارنة بالمناطق التي كانت تشهد مواجهات مباشرة.
واستقبلت المحلية أسرًا من مناطق مختلفة من ولاية الخرطوم، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في الطلب على الخدمات الأساسية، خصوصاً الصحة والتعليم والمياه والنظافة والإصحاح البيئي.
وبالتالي لم تعد الأجهزة التنفيذية تتعامل مع احتياجات سكان المحلية فقط، وإنما مع كتلة سكانية إضافية فرضتها ظروف الحرب والنزوح.
رئاسة الولاية من كرري
ومن أبرز الوقائع المرتبطة بدور كرري خلال الحرب أن المحلية أصبحت مقراً لعمل عدد من مؤسسات حكومة ولاية الخرطوم، ومنها أُدير جانب من أعمال الولاية في الفترة التي تعذر فيها العمل من مناطق أخرى.
وهذا الوضع جعل كرري جزءاً من عملية استمرار مؤسسات الدولة خلال الحرب، ورفع مستوى المسؤولية الواقعة على إدارتها التنفيذية.
فالمحلية لم تكن تستضيف المواطنين فقط، بل أصبحت تستضيف كذلك مؤسسات وموظفين وأعمالاً حكومية تتطلب توفير بيئة إدارية وخدمية مناسبة لاستمرار العمل.
الخدمات تحت ضغط النزوح
كان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تأثراً بالزيادة المفاجئة في أعداد السكان.
ومع ذلك، استمر العمل على تشغيل المؤسسات الصحية وتوفير الخدمات المتاحة، في ظل ظروف صعبة ونقص في الموارد وارتفاع الاحتياجات.
الأمر نفسه ينطبق على التعليم، حيث وجدت المحلية نفسها أمام أعداد إضافية من الطلاب الذين انتقلت أسرهم إليها من المناطق المتأثرة بالحرب، وهو ما فرض تحديات تتعلق باستيعاب الطلاب واستمرار العملية التعليمية.
وبذلك أصبحت المحافظة على الخدمات الصحية والتعليمية جزءاً من إدارة الأزمة، وليس مجرد أداء روتيني لمهام المحلية.
تضحيات كرري في معركة الكرامة
لم يكن دور كرري خلال الحرب خدمياً وإدارياً فقط، فقد تحمل مجتمع المحلية أيضاً جانباً من تكلفة الحرب.
وقدم أبناء كرري شهداء في معركة الكرامة، في وقت كانت فيه المحلية تستقبل النازحين وتدير خدماتها وتتعامل مع المتطلبات اليومية للحرب.
وهذه التضحيات تمثل جانباً مهماً من تجربة المحلية خلال هذه المرحلة، خصوصاً أن الصمود العسكري والأمني تزامن مع استمرار العمل المدني والخدمي.
عمر محمد أحمد النعيم.. الإدارة في ظروف استثنائية
وسط هذه الظروف، تولى عمر محمد أحمد النعيم مسؤولية المدير التنفيذي لمحلية كرري، في مرحلة أصبحت فيها الإدارة المحلية مطالبة بالتعامل مع ملفات تتجاوز حدود اختصاصها التقليدي.
وكان المدير التنفيذي أمام مسؤوليات يومية متعددة، تشمل متابعة الخدمات، والتعامل مع الزيادة السكانية الناتجة عن النزوح، والتنسيق مع مؤسسات الولاية، ومتابعة الأوضاع الصحية والتعليمية، إلى جانب التعامل مع المتطلبات الأمنية والإنسانية التي فرضتها الحرب.
وقد ارتبط اسمه خلال هذه المرحلة بالحضور المستمر في تفاصيل العمل التنفيذي، ومتابعة الملفات الميدانية، والتعامل مع المشكلات التي تواجه المواطنين والمؤسسات.
وتبرز أهمية هذا الدور في أن استمرار عمل المحلية في تلك الظروف لم يكن أمراً تلقائياً؛ فقد كان يتطلب إدارة للموارد المحدودة، وتحديداً للأولويات، وسرعة في التعامل مع المشكلات اليومية.
من محلية إلى مركز لاستمرار الدولة
تجربة كرري خلال الحرب تكشف أن دور الإدارة المحلية يمكن أن يتغير بصورة كبيرة في ظروف الأزمات.
فالمحلية تحولت من وحدة إدارية تقدم خدماتها لسكان منطقة محددة إلى مساحة استقبلت أعداداً كبيرة من سكان ولاية الخرطوم، واحتضنت مؤسسات حكومية، وساهمت في استمرار الخدمات الصحية والتعليمية، وأصبحت جزءاً من عملية إدارة الولاية خلال الحرب.
وفي الوقت نفسه، تحمل مجتمعها أعباء الحرب وقدم الشهداء في معركة الكرامة.
ولهذا فإن الحديث عن كرري في هذه المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على وصفها بأنها منطقة صمود، بل يجب أن يتناول بصورة موثقة حجم السكان الذين استقبلتهم، وحجم الخدمات التي قدمتها، والمؤسسات التي احتضنتها، والموارد التي عملت بها، والتضحيات التي قدمها أبناؤها.
وفي قلب هذه التجربة يقف الجهاز التنفيذي للمحلية، بقيادة المدير التنفيذي عمر محمد أحمد النعيم، الذي أدار المحلية في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً، عندما أصبحت كرري في الوقت نفسه منطقة استقبال للنازحين، ومركزاً للخدمات، ومقراً لجزء من عمل حكومة الولاية، ومنطقة صمود في مواجهة الحرب.
إن توثيق تجربة كرري لا يمثل توثيقاً لتاريخ محلية واحدة فقط، وإنما يوثق جانباً من كيفية استمرار مؤسسات الدولة والخدمات العامة في ولاية الخرطوم خلال واحدة من أصعب مراحلها.










