مقالات

د. حسين العالم : يكتب الغربال +.. هوية بلا حدود: تفكيك العرق وإعادة بناء الإنسان

متابعات مرآة-السودان : هوية بلا حدود: تفكيك العرق وإعادة بناء الإنسان

هوية بلا حدود: تفكيك العرق وإعادة بناء الإنسان

​مقدمة: اللغز الأبدي لـ (هُوَ)

​تتجاذب الكائن البشري أسئلة أزلية تمس كنه وجوده: مَن أنا؟ وإلى ماذا أنتمي؟ وفي غمرة التحولات العولمية والتجاذبات العرقية، تحولت “الهوية” من مجرد صفة تعريفية إلى ساحة صراع ومعترك فكري. يهدف هذا المقال إلى تفكيك شفرة “الهوية” بالانتقال بها من ضيق الأطر الجغرافية والعرقية والقبيلة، إلى رحابة “الهوية القيمية الجامعة”، مستصحباً التجديد المعرفي والفهم المقاصدي الحديث.

​أولاً: الشفرة اللغوية والأصل المعجمي (جذر الضمير “هُوَ”)

​من لطائف اللغة العربية أن كلمة “هُوِيَّة” لم تكن لفظاً جماداً، بل هي مشتقة صياغةً واشتقاقاً من الضمير المنفصل “هُوَ”. وتعني في أصلها المعجمي: حقيقة الشيء المطلقة، وجوده الذاتي، وعين ما يميزه عن غيره.

​ويشدد أهل اللغة والبلاغة على ضرورة ضم الهاء (هُوِيَّة)؛ لأن الفتح (هَوِيّة) يحيل المعنى لغةً إلى “البئر السحيقة” أو “مهاوي السقوط والهلاك”. وهذا التمييز الصوتي اللطيف يحمل دلالة رمزية عميقة: فالضم رفعٌ لإنسانية الإنسان وإثبات لمركزه الوجودي، بينما الفتح انحدار به في غياهب التيه وسحق للفردية.

​وقد تطور الاستعمال الحديث للفظ ليعبر عن الوثائق الشخصية والبطاقات الوطنية، إلا أن هذا الضغط الإداري للمفهوم قزم الهوية واختزلها في ورقة رسمية تنتهي بحدود جغرافية.

​ثانياً: التعدد المفاهيمي: بين الفلسفة وعلم النفس والاجتماع

​شكلت الهوية المادة الخام لشتى العلوم الإنسانية، حيث قاربها كل حقل من زاويته الخاصة:

​البعد الفلسفي (الجوهر والوجود): تُعبر الهوية فلسفياً عن جوهر الموجود وثباته، وما به يظل الشيء هو هو رغم تغير ظروفه الخارجية وتصرم الأعوام.

​البعد النفسي (الإدراك الذاتي): تمثل مزيج إحساس الفرد بذاته، وتكامله النفسي، واستمرارية شخصيته وتماسكها عبر المواقف والأزمات المختلفة.

​البعد الاجتماعي والثقافي: منظومة السمات، القيم، اللغة، والتاريخ المشترك التي تصهر الجماعة وتمنحها شعور الاستقلالية والمغايرة عن الأغيار.

​البعد الإسلامي المقاصدي: التزام عقدي وأخلاقي رباني يربط الإنسان برسالته الوجودية (“الصبغة الإلهية”)، بوصفه مستخلفاً وعامراً للأرض.

​ثالثاً: فقه الموازنات: الوطنية والعقيدة بين التضاد والتكامل

​طالما أثير جدل وهمي يضع الانتماء الوطني والديني في كفتي تضاد. غير أن التحليل المقاصدي العميق يثبت أن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل وتدرج لا تناقض. فحب الوطن والانتماء للحقبة الجغرافية والتاريخية ليس معصية أو خصماً من العقيدة، بل هو سلوك فطري وإيماني.

​لقد ضرب النبي الكريم ﷺ الأنموذج الأعلى حين خاطب مكة المكرمةً: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»، ثم أسس في المدينة المنورة أول “وثيقة مواطنة” نظمت التعايش مع مختلف الطوائف والأديان على أرضية الحقوق والواجبات المشتركة.

​أبعاد التوازن والتقاطع في الواقع:

​الدافع والغاية: يتحقق التكامل من خلال تحديد الدافع؛ حيث تمثل الهوية الدينية المرجعية الأخلاقية القائمة على الالتزام بالقيم الكلية ونشر العدل والخير، بينما يشكل الانتماء الوطني الساحة التطبيقية لتنمية المجتمع وحماية الأمن الإقليمي ورفاه الشركاء.

​التعايش المشترك: يتجسد البر والقسط كواجب أخلاقي إيماني مع كافة البشر دون تمييز عرق أو دين، بينما يترجم وطنياً من خلال التضامن الاجتماعي والمساواة الكاملة أمام القانون والدستور.

​فقه الأزمات: توجب المرجعية الإيمانية تحريم الخيانة والغدر والإفساد في الأرض، بينما يفرض الانتماء الوطني الدفاع عن أمن الوطن واستقراره ضد المخاطر والأزمات.

​القواعد الفقهية الحاكمة عند تعارض المصالح: يخضع هذا التوازن إلى فقه الموازنات (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، تحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد، تقديم المصلحة العامة على الخاصة)، مع ترسم هرم الكليات الخمس (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل/العِرض، والمال).

​رابعاً: المقاربة المعاصرة: تفكيك المركزيات والانفتاح المعرفي

​شهد الفكر العربي والإسلامي المعاصر (كما لدى محمد شحرور، ومحمد أركون، وعبد المجيد الشرفي، وغيرهم) قفزة نوعية في إعادة قراءة مفهوم الهوية. فقد سعى هذا التيار إلى تخليص الهوية من الانغلاق السلفي المنكفئ ومن التغرب الماحي للذات.

​في طائفة من أطروحات المفكر محمد شحرور، يبرز تمييز جوهري بين مفهومي “الإسلام” و**”الإيمان”**:

​الإسلام (المنظومة الإنسانية الجامعة): يتأسس على التوحيد، القيم، العمل الصالح، والإحسان. وهو الدين الفطري الذي اشترك فيه جميع الأنبياء والبشرية الصالحة، وهو يسع التعددية الثقافية والدينية.

​الإيمان (الرسالة الخاتمة والشعائر): يمثل الجانب الخاص بالرسالة المحمدية وتكاليفها الشعائرية والتعبدية.

​هذا التفكيك يمنح “الهوية” أفقاً أفقياً واسعاً، يتجاوز التأطير المذهبي الضيق إلى رحابة الأخلاق الإنسانية. كما يؤكد العلماء التجديديون أن فهم النصوص الشرعية يتطور بتطور “الأرضية المعرفية” للإنسان، وبالتالي فإن الهوية ليست صنمًا ثابتًا يُعبد، بل هي كائن حي يتنفس التطور والحوار مع قيم العصر كحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون.

​خامساً: الهوية الجامعة: الخروج من سجن الجغرافيا والدم

​إن الانحباس في هويات ضيقة — سواء كانت هوية أفريقية، أو عربية، أو هوية جنس (ذكورة/أنثوية)، أو تعصباً قبلياً وإقليماً — هو نكوص بالإنسان إلى مرحلة ما قبل الوعي الحضاري. فالجغرافيا حتمية مكانية، والنسب حادث بيولوجي، والقبيلة تنظيم بدائي؛ ولا يجوز أن تتحول هذه المحددات الاضطرارية إلى معايير تفاضل أو سجون فكرية.

​”إن الهوية الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالتراب الذي ولد عليه، ولا بالدم الذي يجري في عروقه، بل بالقيم الكونية التي يحملها في قلبه ويترجمها في سلوكه: العدل، الحرية، الكرامة، والعمل الصالح.”

​تتأسس “الهوية القيمية الجامعة” على المبادئ التالية:

​الانتقال من العرق إلى المبدأ: التفاخر بالنسب أو العرق هو استدعاء للعصبية الجاهلية، بينما الهوية الجامعة تقوم على السلوك والعطاء الحضاري.

​تجاوز حدود الخريطة: المعاناة الإنسانية والكرامة البشرية لا تجزأ بحسب الحدود السياسية التي رسمتها اتفاقيات الاستعمار.

​إغلاق باب التمايز الطبقي والجنسي: الذكورة والأنوثة والمكانة الاجتماعية أدوار تكميلية في عمارة الأرض، وليست مرتكزات لتصنيف البشر أو الانتقاص منهم.

​الشهود الحضاري العالمي: إن المسلم والإنسان المتنور يرون في الهوية وسيلة للتعارف الحضاري (﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾) لا منصة للاستعلاء أو العزلة.

​الخاتمة: الشفرة المستعادة

​إن العودة إلى أصل كلمة (هُوَ) تجعلنا ندرك أن الهوية ليست جداراً يفصلنا عن العالم، بل هي نافذة نطل منها عليه. الهوية الحقيقية ليست ما وُلدنا عليه مجبرين (القومية، القبيلة، اللون، الجغرافيا)، بل هي ما نختاره بإرادتنا الحرة من قيم وحق وعدل وإحسان. إنها “الصبغة” الإنسانية الجامعة التي تعبر القارات وتتجاوز الأعراق، لتصنع إنساناً كوني الانتماء، محلي العطاء، رباني المقصد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى