مقالات

د. حسين العالم يكتب:الغربال + المصباح في مواجهة أمين.. من يتحمل المسؤولية

متابعات مرآة -السودان

المصباح في مواجهة أمين.. من يتحمل المسؤولية؟

أمين حسن عمر أمام مرآة البرلمان.. والمصباح أبوزيد يفتح ملفاً أكبر من القانون

كتب أمين حسن عمر رداً على تغريدة المصباح أبوزيد التي دعا فيها إلى محاسبة البرلمان الذي أجاز قانون قوات الدعم السريع، باعتبار أن ذلك التشريع ترتبت عليه، لاحقاً، آثار وخراب ودمار دفع السودان ثمنه باهظاً.

جاء رد أمين حسن عمر طويلاً ومفصلاً، وفيه قدر كبير من الدفاع عن المؤسسة التشريعية التي كان عضواً فيها، بل يمكن القول إنه كان دفاعاً عن مرحلة سياسية كاملة، وليس عن قانون بعينه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل كان البرلمان مخطئاً عندما أجاز قانون الدعم السريع؟

السؤال الأعمق هو:

هل كان البرلمان السوداني، في تلك المرحلة، يملك بالفعل استقلال القرار الذي يسمح له برفض توجه السلطة التنفيذية، أم كان يمارس التشريع داخل حدود مرسومة سلفاً بواسطة النظام السياسي والحزب الحاكم؟

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

هل البرلمان هو الذي صنع الدعم السريع؟

يقول أمين حسن عمر إن قانون الدعم السريع لم ينشئ القوات، وإنما جاء لتنظيم وجودها وتسليحها وتجنيدها وتحركها وإمرتها.

وهذه نقطة قانونية وسياسية تستحق التوقف عندها.

لكنها لا تنهي المسؤولية السياسية للبرلمان.

فالبرلمان عندما يسن قانوناً لا يصبح مجرد ناسخ لما هو موجود على الأرض، وإنما يمنح الوضع القائم شرعية قانونية ومؤسسية.

وبالتالي فإن السؤال ليس: هل اخترع البرلمان الدعم السريع؟

بل:

هل كان البرلمان يعلم طبيعة القوة التي يمنحها إطاراً قانونياً؟ وهل ناقش مخاطر إنشاء قوة مسلحة ذات وضع خاص خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة؟ وهل امتلك الشجاعة السياسية لرفض القانون أو تعديله بصورة جوهرية؟

وهذه أسئلة مختلفة تماماً.

أهل مكة أدرى بشعابها.. ولكن ماذا لو ضل أهل مكة الطريق؟

استند أمين حسن عمر إلى أن مشروع القانون جاء من الجهات المختصة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، وأن النواب كانوا ينظرون إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها الأعرف بطبيعة الملفات الأمنية.

وهذه الثقافة ليست خاصة ببرلمان بعينه.

ففي الأنظمة التي تضعف فيها استقلالية المؤسسات التشريعية، يصبح من السهل أن يتحول مبدأ «أهل الاختصاص أدرى» إلى غطاء لتمرير كثير من السياسات دون نقاش سياسي عميق.

فالبرلمان ليس لجنة فنية تابعة للوزارة.

وظيفته الأساسية هي المراجعة والرقابة والتشريع والمساءلة.

وإذا كان أهل الاختصاص هم الذين يقترحون، فإن النواب هم الذين ينبغي أن يسألوا:

ماذا سيحدث بعد عشر سنوات؟

ما المخاطر المحتملة؟

من يملك الأمر والنهي؟

ما الضمانات الدستورية؟

وماذا يحدث إذا اختلفت هذه القوة مع الجيش؟

ومن يحاسبها؟

وهذه الأسئلة تحديداً تبدو اليوم أكثر أهمية من السؤال عن الجهة التي كتبت مشروع القانون.

البرلمان السوداني.. سلطة تشريعية أم صدى للسلطة التنفيذية؟

تاريخ الممارسة البرلمانية في السودان يكشف أن المشكلة أقدم من قانون الدعم السريع.

ففي العهود العسكرية، كانت البرلمانات أو المجالس التشريعية تعمل غالباً داخل نظام سياسي تتركز فيه السلطة التنفيذية بصورة كبيرة، وبالتالي كانت قدرتها على ممارسة رقابة مستقلة محدودة.

أما في العهود المدنية، فقد ظهرت برلمانات أكثر تعددية وصراعاً، لكنها لم تنج دائماً من تأثير الأحزاب والائتلافات وموازين القوى السياسية.

وهنا ينبغي التمييز بين وجود البرلمان واستقلال البرلمان.

فقد يكون لديك مجلس منتخب أو معين، ولديه لجان ونقاشات ومحاضر وتصويت، ولكن ذلك كله لا يعني بالضرورة أن القرار النهائي مستقل عن السلطة السياسية المسيطرة.

ولهذا فإن مجرد القول إن القانون أُجيز داخل البرلمان لا يجيب عن السؤال:

كيف أُجيز؟

وهل كان التصويت نتيجة نقاش حر ومستقل؟

أم نتيجة انضباط حزبي؟

أم نتيجة توجيه سياسي؟

أم نتيجة ثقة مطلقة في الحكومة والمؤسسة العسكرية؟

أم نتيجة خوف من مخالفة القيادة السياسية؟

هذه التفاصيل هي التي تحدد المسؤولية السياسية الحقيقية.

وهنا يأتي السؤال الأكثر إحراجاً

إذا كان البرلمان يملك حق الرفض والتعديل والمراجعة، فلماذا لم يفعل؟

وإذا كان لا يملك ذلك عملياً، فلماذا نحمله وحده مسؤولية القانون؟

في الحالتين هناك مشكلة.

فإذا كان مستقلاً، فإن عليه أن يتحمل مسؤولية قراره.

وإذا كان غير مستقل، فإن علينا أن نبحث عن الجهة التي كانت تملك القرار الحقيقي.

وهنا لا يكفي أن نقول:

«البرلمان أجاز القانون».

بل يجب أن نسأل:

من كان يملك الأغلبية؟ ومن كان يملك القرار السياسي؟ ومن كان يملك سلطة توجيه النواب؟ ومن كان يستطيع أن يقول للبرلمان: مرروا هذا القانون؟

وهذه هي النقطة التي يبدو أن الجدل الحالي يتجاوزها.

حل البرلمان.. السؤال الذي لم يُجب عنه أمين

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية.

إذا كان البرلمان مؤسسة مستقلة قادرة على ممارسة سلطاتها، فلماذا حُلَّت البرلمانات في مراحل مختلفة من تاريخ السودان عندما اصطدمت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية أو مع رأس الدولة؟

ولماذا كان أول إجراء في عدد من الانقلابات العسكرية هو تعطيل أو حل المؤسسات التشريعية؟

الجواب بسيط:

لأن البرلمان، رغم كل عيوبه، يظل أحد أهم مفاتيح الشرعية السياسية.

ولهذا كانت العلاقة بين البرلمان والسلطة التنفيذية في السودان دائماً علاقة شد وجذب، لكنها في كثير من الأحيان كانت تميل لمصلحة السلطة الأقوى.

ومن هنا فإن الحديث عن البرلمان بوصفه مؤسسة مستقلة تماماً عن النظام السياسي يحتاج إلى مراجعة تاريخية دقيقة.

المشكلة ليست في البرلمان وحده

ومع ذلك، سيكون من الظلم اختزال القضية في أمين حسن عمر أو في أعضاء البرلمان الذين أجازوا القانون.

المسؤولية السياسية في السودان أوسع من ذلك بكثير.

فهناك سلطة تنفيذية.

وهناك أحزاب سياسية.

وهناك مؤسسات عسكرية وأمنية.

وهناك نخب سياسية وفكرية وإعلامية.

وهناك مجتمع مدني.

وهناك مثقفون وخبراء.

وهناك إعلام كان يستطيع أن يطرح الأسئلة ولم يفعل بالقدر الكافي.

وبالتالي فإن محاسبة الماضي ينبغي ألا تكون انتقائية.

لا يجوز أن نبحث عن شخص واحد ونترك المنظومة التي أنتجت القرار.

أمين حسن عمر.. نموذج لمفارقة النخب السودانية

هنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية في الرد على أمين حسن عمر.

أمين اليوم ينتقد، أو يقر بوجود أخطاء في بعض ممارسات الدولة السابقة، ويدافع في الوقت ذاته عن البرلمان الذي كان جزءاً منه.

وهذا حقه تماماً.

فالإنسان من حقه أن يدافع عن موقفه التاريخي، وأن يقدم حيثياته، وأن يقول إنه لم يصوت للقانون.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المراجعة السياسية إلى دفاع انتقائي عن الماضي.

فالنخب السودانية عموماً مطالبة بأن تمارس النقد على نفسها بالقدر نفسه الذي تمارسه على خصومها.

فلا يستقيم أن ننتقد قانوناً لأنه أدى إلى كارثة بعد سنوات، ثم نرفض في الوقت ذاته مساءلة البيئة السياسية التي أنتجته.

ولا يستقيم أن نطالب الآخرين بالاعتراف بأخطائهم، بينما نبحث لأنفسنا عن المخارج القانونية والسياسية.

المفارقة الأكبر: نقد الماضي مع إعادة إنتاجه

هذه ليست مشكلة أمين وحده.

إنها ظاهرة سودانية واسعة.

كثير من النخب التي تنتقد اليوم سياسات الأمس كانت جزءاً من المشهد السياسي الذي صنع تلك السياسات أو سكت عنها أو دافع عنها أو استفاد منها.

وكثير ممن يطالبون اليوم بالديمقراطية سبق أن قبلوا بتجاوز المؤسسات عندما كان القرار في مصلحتهم.

وكثير ممن يرفعون شعار استقلال البرلمان كانوا، عندما كانوا في السلطة، ينظرون إلى البرلمان باعتباره أداة لتثبيت شرعية الحكومة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية:

السودانيون لا يحتاجون فقط إلى محاكمة القرارات، وإنما يحتاجون إلى محاكمة طريقة التفكير التي أنتجت تلك القرارات.

من قانون الدعم السريع إلى سؤال الدولة

قضية الدعم السريع ليست مجرد قضية قانونية.

إنها سؤال عن شكل الدولة السودانية نفسها.

هل الدولة الحديثة يمكن أن تحتفظ بأكثر من مركز للقوة المسلحة؟

هل يمكن أن تكون هناك قوة مسلحة ذات وضع قانوني خاص إلى جانب الجيش؟

هل يكفي أن تكون القوة خاضعة لرئيس الدولة حتى تصبح جزءاً من الدولة؟

وماذا يحدث إذا أصبح رأس الدولة نفسه طرفاً في صراع سياسي أو عسكري؟

وهل يمكن بناء دولة مستقرة بوجود قوى مسلحة متعددة الولاءات ومختلفة مراكز القرار؟

هذه الأسئلة كان ينبغي أن تكون في قلب النقاش عند إصدار القانون.

ولذلك فإن الدفاع عن البرلمان بأنه لم ينشئ الدعم السريع لا يعفيه من السؤال عن مسؤوليته في تقنين وضع قوة مسلحة كانت تحمل منذ البداية عوامل الخطر البنيوية.

لكن أمين قال شيئاً مهماً

من الإنصاف أيضاً التوقف عند اعتراف أمين حسن عمر بأن تحفظه على الدعم السريع كان مرتبطاً منذ البداية بطبيعة تأسيسها القبلية والإثنية والعشائرية، ووصف ذلك بأنه خطأ فادح.

وهذه ربما تكون أهم نقطة في حديثه كله.

فإذا كان هذا التحفظ موجوداً منذ البداية، فإن السؤال يصبح:

لماذا لم يتحول هذا التحفظ إلى موقف تشريعي وسياسي واضح يمنع أو يعدل أو يقيّد القانون؟

وإذا كان قد فعل ذلك فعلاً، فليقدم للرأي العام تفاصيل موقفه: ماذا قال؟ ماذا اقترح؟ ماذا طلب؟ ومن عارضه؟

فالوثائق والمحاضر والمواقف المعلنة هي التي تستطيع أن تحسم الجدل، وليس الذاكرة السياسية وحدها.

نحو ميثاق جديد للمحاسبة السياسية

المطلوب اليوم ليس فتح باب تصفية الحسابات مع رجال الأمس، وإنما تأسيس قاعدة جديدة للممارسة السياسية السودانية.

أولاً:

المسؤولية السياسية لا تسقط بالتقادم.

لكنها أيضاً لا تثبت بمجرد الاتهام.

ثانياً:

كل مسؤول يجب أن يحاسب على القرار الذي شارك في صنعه أو تمريره أو الدفاع عنه.

ثالثاً:

البرلمان يجب أن يكون سلطة رقابة حقيقية، لا غرفة تصديق على مشروعات السلطة التنفيذية.

رابعاً:

المؤسسات العسكرية والأمنية يجب ألا تكون بديلاً عن المؤسسات السياسية.

خامساً:

أي قوة مسلحة يجب أن تكون تحت قيادة وطنية واحدة، وتسلسل قيادة واضح، ورقابة قانونية ودستورية صارمة.

سادساً:

ينبغي إنشاء آلية وطنية مستقلة لمراجعة التشريعات التي ترتب عليها نزاع أو ضرر عام، وتحديد المسؤولية السياسية والمؤسسية عنها.

سابعاً:

يجب نشر محاضر النقاش والتصويت في القضايا المصيرية، حتى يعرف الشعب من قال ماذا ومن صوّت مع القانون ومن صوّت ضده.

وأخيراً.. يا أمين، ويا مصباح

المسألة ليست معركة بين أمين حسن عمر والمصباح أبوزيد.

وليست معركة بين جيلين أو تيارين.

إنها فرصة لإعادة فتح ملف أكبر:

كيف كانت تُصنع القرارات المصيرية في السودان؟

ومن كان يملك القرار؟

ومن كان يملك حق الاعتراض؟

ومن كان يملك البرلمان؟

ومن كان يملك الحزب؟

ومن كان يملك السلاح؟

ومن كان يملك القدرة على إيقاف الخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة؟

أما القول إن البرلمان لم ينشئ الدعم السريع، فهو صحيح من زاوية محددة، لكنه لا يغلق باب المسؤولية.

فالبرلمان قد لا يصنع القوة المسلحة، لكنه يستطيع أن يمنحها غطاءً قانونياً أو يضع لها قيوداً أو يرفض تشريعها أو يعدله.

ومن هنا فإن القضية ليست:

«هل أنشأ البرلمان الدعم السريع؟»

بل:

«هل مارس البرلمان سلطته كاملة عندما كان عليه أن يفعل ذلك؟»

وهذا سؤال مختلف تماماً.

وربما يكون هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً.

لأن السودان لا يحتاج اليوم إلى برلمان جديد فقط، وإنما يحتاج إلى ثقافة برلمانية جديدة؛ ثقافة لا تجعل النائب تابعاً للحزب، ولا تجعل البرلمان تابعاً للحكومة، ولا تجعل القانون مجرد ختم على قرار اتخذ في مكان آخر.

فالخطأ السياسي قد يُغفر، ولكن الأخطر أن نعيد إنتاج الظروف نفسها التي صنعت الخطأ.

ومن لا يراجع طريقة صناعة القرار، سيظل يطارد نتائج القرار إلى ما لا نهاية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى