د. حسين العالم يكتب :الغربال + الجنيه إلى أين؟.. اجتماع طارئ وحربٌ تبتلع الحلول
متابعات مرآة-السودان

- الجنيه إلى أين؟.. اجتماع طارئ وحربٌ تبتلع الحلول
دخل الجنيه السوداني مرحلة جديدة من الضغوط الحادة، مع تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز 8 آلاف جنيه خلال الأيام الماضية، وسط شح في النقد الأجنبي واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية.
وفي محاولة لاحتواء التطورات المتسارعة، عقد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، اجتماعاً طارئاً مع رئيس الوزراء ووزراء القطاع الاقتصادي، لبحث التدهور المتسارع في سعر صرف الجنيه.
ووفق ما أعلنه وزير المالية جبريل إبراهيم، فإن أبرز أسباب التراجع تتمثل في ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وتجاوز الواردات للصادرات، بما أدى إلى زيادة الضغط على العملة الوطنية وانعكس مباشرة على مستويات المعيشة، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة.
لكن السؤال الذي يتجاوز مخرجات الاجتماع هو: هل تكمن مشكلة الجنيه في سعر الصرف وحده، أم أن الأزمة أعمق من ذلك؟
تشخيص صحيح.. لكن الأزمة أكبر
الخطوات التي طرحتها الحكومة خلال الأشهر الماضية تضمنت زيادة الإنتاج، وتنظيم قطاع الذهب، وضمان توريد حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية، وتشجيع الصناعات التحويلية، وتقليل الاعتماد على الواردات، إضافة إلى تنظيم تجارة الحدود وتوسيع المظلة الضريبية.
وهي إجراءات تستهدف بالفعل جذوراً مهمة في أزمة النقد الأجنبي والميزان التجاري.
غير أن الواقع الاقتصادي السوداني يضع أمام هذه الإجراءات عقبة أكبر: الحرب نفسها.
فالحرب لا تضغط على سعر الصرف من خلال الإنفاق العام والطلب على العملات الأجنبية فقط، وإنما تضرب في الوقت ذاته الإنتاج الزراعي والصناعي، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة، والبنية التحتية، والاستثمار، وقدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.
وهذا يعني أن معالجة الطلب على الدولار من دون معالجة مصادر توفير الدولار قد تخفف الضغط مؤقتاً، لكنها لا تعالج الاختلال من جذوره.
الذهب.. المورد الذي لا يكفي وحده
يمثل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، ولذلك ظل تنظيم القطاع وضمان وصول حصائل الصادر إلى القنوات الرسمية جزءاً أساسياً من الخطط الحكومية لتحقيق استقرار سعر الصرف.
لكن القضية لا تتعلق فقط بزيادة إنتاج الذهب، وإنما أيضاً بكيفية إدارة عائداته، وتقليل التسرب خارج النظام الرسمي، وتحويل هذه الموارد إلى قوة حقيقية تدعم الجنيه وتموّل الواردات الضرورية.
المعركة الحقيقية: الإنتاج
المعادلة الاقتصادية تبدو أكثر وضوحاً إذا اختُزلت في سؤال واحد:
من أين سيأتي الدولار إذا ظل الإنتاج والصادر تحت ضغط الحرب؟
فاستقرار العملة يحتاج إلى موارد مستدامة من الصادرات، وليس إلى إجراءات إدارية على سوق النقد الأجنبي فقط.
ولهذا فإن الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات التحويلية ليست ملفات منفصلة عن أزمة الجنيه، بل تمثل قاعدة أساسية لأي محاولة لإعادة بناء سوق نقد أجنبي أكثر استقراراً.
وكانت اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد قد أكدت في اجتماعات سابقة أهمية زيادة الإنتاج والإنتاجية، وتطوير البنية التحتية للصادرات، وتشجيع الصناعات التي تضيف قيمة للصادرات وتقلل فاتورة الواردات.
وقف النزيف قبل البحث عن الاستقرار
المشكلة إذن ليست في غياب الأفكار الاقتصادية؛ فقد طُرحت خلال الفترة الماضية إجراءات تتعلق بالذهب والصادرات والواردات والإنتاج والضرائب والأسواق.
لكن التحدي الأكبر يبقى في تنفيذ هذه السياسات داخل اقتصاد حرب.
فكلما اتسع نطاق الحرب، زادت تكلفة النقل والتأمين والإمداد، وتراجعت القدرة الإنتاجية، وارتفع الطلب على العملات الأجنبية، بينما تتقلص الموارد القادرة على توفيرها.
ومن هنا فإن استقرار الجنيه يحتاج إلى مسارين متزامنين:
مسار عاجل لضبط سوق النقد الأجنبي، وترشيد الواردات، وتنظيم تجارة الحدود، وتحسين تدفق حصائل الصادرات، وحماية المواطنين من موجات الغلاء.
ومسار جذري يقوم على استعادة الإنتاج، وإعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية، وإعادة بناء الصادرات، وتقليل آثار الحرب على الاقتصاد.
السؤال الذي ينتظر الإجابة
اجتماع البرهان مع القطاع الاقتصادي يعكس إدراكاً رسمياً لخطورة التدهور المتسارع للجنيه، لكن حجم الأزمة يطرح سؤالاً أكبر من قدرة أي اجتماع اقتصادي منفرد:
هل يمكن إنقاذ الجنيه من دون معالجة البيئة التي تدفعه إلى الانهيار؟
فالعملة في النهاية ليست مجرد ورقة نقدية أو رقماً في شاشة المصارف؛ إنها انعكاس لقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوفير النقد الأجنبي واستعادة الثقة.
وفي الحالة السودانية، تظل الحرب هي المتغير الأكبر الذي يضغط على هذه المعادلة كلها.
وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع سعر الدولار.. وإنما مع الظروف التي تدفع الدولار إلى الصعود والجنيه إلى الهبوط.









