د. حسين العالم يكتب.. الغربال + أزمة إدارة ام إدارة أزمة
متابعات مرآة-السودان د. حسين العالم يكتب.. الغربال + أزمة إدارة ام إدارة أزمة
أزمة إدارة ام إدارة أزمة
في عالم الإدارة لا تُقاس نجاحات الدول بحجم مواردها الطبيعية أو عدد سكانها فحسب، بل بقدرتها على اختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. فالإدارة الناجحة هي العمود الفقري لأي مشروع، صغيراً كان أم كبيراً، وهي الفارق بين دولة تتقدم بثبات وأخرى تتعثر في المكان نفسه رغم تعاقب الحكومات وتبدل الشعارات.
لقد أثبت علم الإدارة الحديث أن نجاح القائد أو المسؤول لا يقوم على الحظ أو العلاقات الشخصية، وإنما على معايير واضحة ومحددة، في مقدمتها الرؤية الاستراتيجية، والنزاهة والشفافية، والقدرة على اتخاذ القرار، والذكاء الاجتماعي، وإدارة التنوع، والقدرة على بناء فرق العمل وتمكينها. فالقائد الناجح لا يبحث عن الولاء لشخصه، بل يصنع الولاء للمؤسسة وللوطن، ويقيس نجاحه بما يتركه من أثر مستدام لا بما يجنيه من مكاسب مؤقتة.
وعند النظر إلى التجربة السودانية منذ الاستقلال، نجد أن البلاد ورثت خدمة مدنية كانت تُضرب بها الأمثال في الانضباط والكفاءة والمهنية. غير أن عوامل عديدة تداخلت مع مرور الزمن فأضعفت تلك المنظومة. فقد تغلبت في كثير من الأحيان ثقافة المجاملة والمحاباة على معايير الكفاءة، وأصبح الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو السياسي مقدماً على الخبرة والتأهيل، فتراجعت المؤسسية وتضاءلت فرص المنافسة العادلة، وانفتح الباب أمام المحسوبية والفساد الإداري بأشكاله المختلفة.
ومع تراكم هذه الاختلالات عبر العقود، فقدت مؤسسات الدولة جزءاً كبيراً من قدرتها على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وتحولت بعض المواقع القيادية إلى مواقع ترضيات بدلاً من أن تكون مواقع مسؤولية. وكانت النتيجة تراجع الإنتاج، وضعف الخدمات، واتساع دائرة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ما زالت البلاد تدفع ثمنها حتى اليوم.
وجاءت الحرب الأخيرة لتضاعف حجم التحديات، حيث تضررت البنية التحتية، وتعطلت عجلة الإنتاج، وتفككت أجزاء من النسيج الاجتماعي، وتزايدت الضغوط على مؤسسات الدولة. وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية تصبح الحاجة إلى الإدارة الرشيدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن الأزمات الكبرى لا تُواجه بالشعارات، وإنما بالكفاءة والخبرة والتخطيط العلمي.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في الأشخاص، بل في المنهج نفسه. فالدول الناجحة لا تعتمد على عبقرية الأفراد بقدر اعتمادها على قوة المؤسسات. لذلك فإن المخرج الحقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار لمعايير الاختيار والتقييم والمحاسبة، ووضع نظم شفافة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تغول المصالح الضيقة على المصلحة العامة.
كما أن الإصلاح يتطلب بناء ثقافة جديدة ترى في الوظيفة العامة تكليفاً لا تشريفاً، ومسؤولية لا امتيازاً. فالمؤسسات القوية لا تُبنى بالولاءات الشخصية، وإنما بالكفاءات المهنية القادرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية.
ومن اللافت أن هذه المبادئ ليست غريبة عن قيم المجتمع السوداني ولا عن تعاليم الإسلام. فقد رسخ الإسلام قاعدة عظيمة في الاختيار عندما جعل معيار القوة والأمانة أساساً للتكليف، كما دعا إلى إتقان العمل، والعدل بين الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه. وهي مبادئ تتوافق بصورة كاملة مع أحدث نظريات الإدارة والحوكمة الرشيدة.
إن استعادة عافية الدولة لن تتحقق بتغيير الوجوه وحده، وإنما بتغيير قواعد اللعبة نفسها. فالمطلوب هو الانتقال من إدارة تقوم على العلاقات إلى إدارة تقوم على الكفاءة، ومن ثقافة الولاء للأشخاص إلى ثقافة الولاء للمؤسسات، ومن منطق المحاصصة إلى منطق الاستحقاق.
ورغم قسوة الواقع، فإن الأمل لا يزال قائماً. فالأمم لا تنهض عندما تختفي أزماتها، بل عندما تمتلك الشجاعة لمواجهتها. والسودان بما يملكه من موارد وخبرات وكفاءات بشرية قادر على استعادة بوصلته متى ما توفرت الإرادة السياسية والإدارية التي تجعل الكفاءة معياراً، والمحاسبة منهجاً، والمصلحة الوطنية هدفاً أعلى لا يعلو عليه شيء.
فهل تكون المرحلة القادمة بداية استعادة البوصلة المفقودة، أم يستمر الدوران في الحلقة نفسها؟ ذلك هو السؤال الذي سيحدد شكل المستقبل.











