د.حسين العالم يكتب الغربال + بنوك السودان… انهيار صامت تحت أزيز الحرب
متابعات مرآة-السودان بنوك السودان… انهيار صامت تحت أزيز الحرب
بنوك السودان… انهيار صامت تحت أزيز الحرب
لم تعد الأزمة التي يعيشها القطاع المصرفي السوداني مجرد أزمة سيولة عابرة أو اضطراب مؤقت فرضته الحرب، بل تحولت إلى أزمة هيكلية عميقة تهدد بإعادة تشكيل النظام المالي بأكمله. فالبنوك التي كانت تمثل العمود الفقري للنشاط الاقتصادي، وجدت نفسها فجأة أمام واقع جديد: فروع مدمرة، قواعد بيانات مفقودة، عملة تتهاوى بوتيرة متسارعة، وثقة شعبية تتآكل يوماً بعد يوم.
وفي مقابل هذا الانهيار، يحاول بنك السودان المركزي فرض ما يسميه “خارطة طريق للتعافي”، متكئاً على سياسات تستهدف ضبط السيولة، والتحول الرقمي، وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي. غير أن الفجوة بين النصوص النظرية والواقع الميداني تبدو واسعة إلى حد يجعل كثيراً من هذه السياسات أقرب إلى “إدارة أزمة على الورق” منها إلى إصلاح فعلي قابل للتطبيق.
بنوك بلا سيولة… وودائع بلا قيمة
أخطر ما يواجهه المواطن السوداني اليوم ليس فقط صعوبة الوصول إلى أمواله، بل فقدان هذه الأموال لقيمتها الحقيقية. فالودائع الموجودة داخل الحسابات المصرفية تتآكل بفعل التضخم والانخفاض الحاد في قيمة الجنيه، بينما تفرض البنوك سقوفاً منخفضة للسحب النقدي بسبب شح السيولة الورقية.
وبينما تُظهر التطبيقات البنكية أرصدة رقمية تبدو مستقرة حسابياً، فإن الواقع الاقتصادي يقول إن هذه الأرقام فقدت جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية. أما الودائع بالعملة الأجنبية، فقد أصبحت هي الأخرى محاطة بقيود معقدة، إذ تلجأ بعض المصارف إلى تسليمها بالجنيه السوداني وفق أسعار صرف لا تعكس السعر الحقيقي في السوق الموازية، مما عمّق أزمة الثقة بين المودعين والجهاز المصرفي.
حتى “صندوق ضمان الودائع” لم يعد قادراً على تقديم حماية حقيقية، لأن سقوف التعويض الاسمية فقدت معناها في ظل التضخم الجامح.
البنوك تتحول من وسيط مالي إلى “قنوات دفع”
الحرب لم تدمر المباني فقط، بل أصابت الوظيفة التقليدية للبنوك في مقتل. فقد تراجع النشاط الائتماني بصورة حادة، وتحولت غالبية المصارف من مؤسسات تمول الاستثمار والإنتاج إلى مجرد قنوات إلكترونية لتسيير المدفوعات اليومية.
وتشير التقديرات إلى تضرر نسبة معتبرة من الفروع المصرفية، إضافة إلى فقدان مستندات وضمانات وملفات ائتمانية، الأمر الذي دفع البنوك إلى تقليص التمويل طويل الأجل والتركيز على عمليات قصيرة وسريعة لتقليل مخاطر انهيار العملة.
وفي ظل هذا الواقع، ارتفعت القروض المتعثرة بصورة غير مسبوقة، بعد تعطل المصانع ونهب المخازن وفقدان الضمانات العينية في مناطق النزاع، ما جعل تحصيل كثير من الديون أمراً شبه مستحيل.
استبدال العملة… نجاح محدود وفشل أكبر
لجأ بنك السودان المركزي إلى سياسة استبدال بعض الفئات النقدية باعتبارها أداة لامتصاص الكتلة النقدية ومحاربة المضاربات. وقد نجحت هذه الخطوة جزئياً في إجبار قطاعات واسعة من المواطنين والتجار على العودة المؤقتة إلى النظام المصرفي وإيداع أموالهم داخل البنوك.
لكن النجاح توقف عند هذا الحد. فالتضخم واصل صعوده، واستمرت السوق الموازية في السيطرة على حركة النقد الأجنبي، بينما بقيت القوة الشرائية للجنيه في حالة تراجع مستمر بسبب ضعف الإنتاج والعجز التجاري والاعتماد المتزايد على العملات الأجنبية.
وبذلك، لم تحقق السياسة هدفها المركزي المتمثل في استعادة الاستقرار النقدي، بل كشفت حدود قدرة البنك المركزي على التأثير في اقتصاد تسيطر عليه السوق غير الرسمية.
معركة كسر السيطرة العائلية
الأزمة الحالية كشفت أيضاً خللاً مزمناً في بنية الملكية المصرفية بالسودان، حيث تهيمن عائلات ومؤسسات وصناديق ذات نفوذ على حصص حاكمة داخل عدد من البنوك، ما أدى إلى تضارب المصالح وضعف الحوكمة وتركز التمويل في دوائر ضيقة.
وتتجه المقترحات الإصلاحية إلى فرض سقوف صارمة للملكية لا تتجاوز 15% لأي فرد أو جهة، مع إلزام البنوك بالكشف عن “المستفيد الحقيقي” لمنع التحايل عبر الشركات الوهمية أو الأقارب.
كما تتضمن الإصلاحات فصل الملكية عن الإدارة التنفيذية، ومنع كبار المساهمين من التحكم المباشر في القرارات الائتمانية، إضافة إلى فرض وجود أعضاء مستقلين داخل مجالس الإدارات لضمان الرقابة والشفافية.
غير أن تطبيق هذه الإصلاحات لن يكون سهلاً، بسبب مقاومة مراكز النفوذ المالية والمؤسسات السيادية التي تعتبر البنوك إحدى أدوات قوتها الاقتصادية.
الدمج القسري… هل يصبح الخيار الوحيد؟
في ظل تآكل رؤوس الأموال وتزايد الخسائر، يقترب القطاع المصرفي من مرحلة “التطهير القسري”، حيث يُتوقع أن يتجه البنك المركزي نحو دمج البنوك الضعيفة أو إجبارها على إعادة الهيكلة.
وتقوم الفكرة على إنشاء كيانات مصرفية أكبر وأكثر قدرة على الصمود، بدلاً من استمرار عشرات البنوك الصغيرة العاجزة عن الوفاء بمتطلبات رأس المال والسيولة.
كما يجري الحديث عن إنشاء “بنك سيئ” يتولى شراء الديون المتعثرة والأصول المسمومة لتنظيف ميزانيات البنوك وإعادة تأهيلها، وهي تجربة استخدمتها دول عديدة بعد الأزمات المالية الكبرى.
التكنولوجيا المالية… طوق النجاة الأخير
وسط هذا المشهد القاتم، تبدو التكنولوجيا المالية هي المسار الأكثر واقعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالتحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجودية لبقاء البنوك.
وتسعى السلطات إلى توسيع خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، وتشجيع إنشاء بنوك رقمية لا تعتمد على الفروع التقليدية، مع بناء مراكز بيانات احتياطية خارج مناطق النزاع لضمان استمرارية الخدمات.
لكن هذا التحول يواجه تحديات ضخمة، أبرزها ضعف البنية التحتية للاتصالات، ومخاطر الاختراقات الإلكترونية، وغياب البيئة التشريعية الحديثة القادرة على تنظيم قطاع التكنولوجيا المالية.
مستقبل القطاع… بين إعادة البناء والانهيار البطيء
الحقيقة التي باتت واضحة اليوم أن أي تعافٍ حقيقي للقطاع المصرفي السوداني لن يتحقق عبر الإجراءات النقدية وحدها، بل يحتاج إلى تسوية سياسية توقف الحرب أولاً، ثم برنامج إصلاح اقتصادي شامل يعيد الثقة في الدولة ومؤسساتها.
فالقطاع المصرفي لا يعيش أزمة سيولة فقط، بل أزمة ثقة وهيكل وشرعية اقتصادية. وما لم تُعالج جذور المشكلة، فإن البنوك السودانية ستظل عالقة بين واقع الانكماش والانهيار البطيء، حتى وإن نجحت مؤقتاً في إبقاء التطبيقات الإلكترونية تعمل.
وفي النهاية، يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع المصارف السودانية التحول من مؤسسات منهكة تدير الأزمة إلى مؤسسات حديثة تقود التعافي؟ أم أن الحرب أعادت تشكيل القطاع بطريقة تجعل عودته إلى صورته القديمة أمراً مستحيلاً؟










