مقالات

د. حسين العالم يكتب ..الغربال + الإصلاح أم الإحلال؟

متابعات مرآة السودان..د. حسين العالم يكتب الغربال + الإصلاح أم الإحلال

 

الإصلاح أم الإحلال؟

 جدل تقليص الخدمة المدنية يعيد إلى الواجهة أسئلة العدالة والكفاءة ومستقبل الدولة السودانية

 

منذ استقلال السودان ظلت الخدمة المدنية واحدة من أكثر مؤسسات الدولة تأثراً بالتحولات السياسية وتبدل الأنظمة الحاكمة. فكل مرحلة سياسية تقريباً حملت معها شعارات إصلاح الجهاز الحكومي وتطويره، غير أن كثيراً من هذه المحاولات انتهى إلى عمليات إقصاء واسعة للعاملين تحت مسميات مختلفة، الأمر الذي أضعف المؤسسية وأفقد الدولة جزءاً مهماً من خبراتها المتراكمة.

اليوم يعود الجدل مجدداً بعد تداول تقرير اللجنة المكلفة بدراسة أوضاع العاملين بالحكومة الاتحادية، والذي أوصى بتقليص أعداد العاملين بنسبة كبيرة تصل إلى نحو 60% من إجمالي العاملين بالمؤسسات الاتحادية والهيئات والشركات العامة. وقد أثار التقرير ردود فعل واسعة وسط العاملين والنقابيين والقوى السياسية، ليس فقط بسبب حجم التخفيض المقترح، وإنما بسبب الأسس والمعايير التي استند إليها.

وتزداد أهمية هذا الجدل في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد نتيجة الحرب وما خلفته من نزوح ولجوء وفقدان لمصادر الدخل، بينما تعمل الحكومة في الوقت نفسه على تشجيع المواطنين للعودة إلى مناطقهم واستئناف حياتهم الطبيعية. لذلك يرى كثيرون أن أي قرار واسع النطاق يمس الوظائف العامة ستكون له انعكاسات اجتماعية واقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الخدمة المدنية نفسها.

تاريخ طويل من التدخل السياسي

ارتبطت محاولات إعادة هيكلة الخدمة المدنية في السودان غالباً بالتغيرات السياسية. ففي أعقاب ثورة أكتوبر 1964 طُرح شعار “تطهير الخدمة المدنية”، ثم شهدت سنوات حكم مايو عمليات فصل واسعة تحت ذرائع سياسية وإدارية مختلفة.

وفي عهد الإنقاذ برز مفهوم “تثوير الخدمة المدنية” وما صاحبه من سياسات التمكين التي فتحت الباب أمام الإحلال الوظيفي على أسس الولاء السياسي أكثر من الكفاءة المهنية. كما ظهرت تجربة “مركز فائض العمالة” التي واجهت انتقادات واسعة آنذاك.

وبعد سقوط نظام الإنقاذ جاءت لجنة إزالة التمكين التي اتخذت بدورها قرارات فصل واسعة استناداً إلى قانون خاص، قبل أن يتم إلغاء عدد من تلك القرارات عبر القضاء وإعادة بعض العاملين إلى وظائفهم.

هذا التاريخ المتكرر يكشف أن المشكلة لم تكن في مبدأ الإصلاح ذاته، وإنما في توظيفه كأداة للصراع السياسي، بحيث تتحول الخدمة المدنية من مؤسسة قومية محايدة إلى ساحة لتبادل النفوذ بين القوى المتعاقبة على السلطة.

ملاحظات جوهرية على التقرير

يثير التقرير المتداول عدداً من التساؤلات المهمة، أبرزها غياب المعايير الواضحة التي بُنيت عليها نسبة التخفيض المقترحة. فالتقارير المتخصصة في إصلاح الخدمة المدنية عادة ما تنطلق من دراسات عبء العمل، وتحليل الاحتياجات الفعلية للمؤسسات، وتقييم الأداء الوظيفي، وليس من تحديد نسب مسبقة للتخفيض.

كما أن استمرار التعيينات والإعلانات الوظيفية في بعض الجهات الحكومية يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الهدف الحقيقي من تقليص العاملين، وما إذا كان الأمر يتعلق بإصلاح هيكلي أم بإعادة تشكيل الجهاز الإداري للدولة.

وتبرز كذلك قضية حق العاملين في التظلم والاستئناف، باعتبارها من الضمانات الأساسية التي تكفل العدالة وتحمي الحقوق الوظيفية، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بتأثير أي تخفيض واسع على قطاعات حيوية مثل الكهرباء والضرائب والصحة والتعليم وغيرها من المرافق التي تعتمد على الخبرات المتراكمة.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالفصل

إن إصلاح الخدمة المدنية ضرورة لا خلاف حولها، خاصة بعد سنوات طويلة من التوسع الإداري وضعف الكفاءة وتداخل الاختصاصات. غير أن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يقوم على أسس موضوعية وعلمية، من أهمها:

ترسيخ مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في التعيين والترقي.

اعتماد الكفاءة والخبرة والإنتاجية معياراً وحيداً للاستمرار في الوظيفة العامة.

مراجعة الهياكل التنظيمية والوظيفية وفق احتياجات العمل الفعلية.

تطوير نظم التدريب والتأهيل المستمر للعاملين.

الحفاظ على الكفاءات والخبرات النادرة وعدم التفريط فيها.

إشراك الجهات ذات الصلة، بما فيها النقابات والاتحادات المهنية والخبراء المستقلون.

توفير آليات شفافة للتظلم والاستئناف.

وقف أي تعيينات استثنائية أو ذات طابع سياسي أو جهوي.

الالتزام بالقوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالعمل والعمال.

بين الدولة والموظف

الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد العاملين فيها بقدر ما تُقاس بكفاءة مؤسساتها وقدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين. ولذلك فإن معالجة اختلالات الخدمة المدنية لا ينبغي أن تتم بمنطق الأرقام المجردة أو الاستجابة للضغوط المالية قصيرة المدى، وإنما من خلال رؤية وطنية شاملة تعيد بناء الجهاز الإداري على أسس المهنية والحياد والعدالة.

إن التجارب السابقة أثبتت أن الفصل الجماعي والإقصاء السياسي لم يؤديا إلى إصلاح الخدمة المدنية، بل أضعفاها وأفقداها كثيراً من خبراتها. ولذلك يبقى السؤال المطروح اليوم: هل نحن أمام مشروع إصلاح حقيقي يعالج جذور المشكلة، أم أمام حلقة جديدة من حلقات الإحلال التي عرفها السودان مراراً تحت مسميات مختلفة؟

الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل عشرات الآلاف من العاملين، بل أيضاً مستقبل الإدارة العامة والدولة السودانية نفسها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى