مقالات

د. حسين العالم ..يكتب الغربال+ هل يوقف الذهب نزيف الدولار

متابعات مرآة السودان د. حسين العالم ..يكتب الغربال+ هل يوقف الذهب نزيف الدولار

هل يوقف الذهب نزيف الدولار؟

أثار قرار بنك السودان المركزي القاضي باشتراط إيداع 200 كيلوغرام من الذهب عيار (21) لدى مصفاة السودان للذهب قبل منح شهادة عدم ممانعة للشركات الراغبة في استيراد المشتقات البترولية، جدلاً واسعاً بين الاقتصاديين والمهتمين بالشأن العام. وبينما يرى البعض أن القرار يمثل محاولة للحد من الطلب على العملات الأجنبية وتعزيز الاحتياطي من الذهب، يرى آخرون أنه إجراء محدود الأثر في مواجهة الأزمة الاقتصادية المعقدة التي تعيشها البلاد في ظل الحرب المستمرة.

من الناحية النظرية، تقوم سياسة التحرير الاقتصادي على آليات السوق، حيث تحدد الأسعار وفقاً لقوى العرض والطلب مع تقليص التدخل الحكومي المباشر. وفي هذا السياق، فإن اشتراط إيداع الذهب كضمان للاستيراد يخلق طلباً إضافياً على المعدن النفيس، خاصة إذا سارعت الشركات إلى شراء الكميات المطلوبة من الأسواق المحلية. لكن السؤال الجوهري هو: هل يؤدي ذلك فعلاً إلى تخفيض الطلب على الدولار؟

واقع الأمر أن تأثير هذا الإجراء قد يكون محدوداً. فالذهب هنا لا يستخدم بديلاً مباشراً للعملة الأجنبية في عملية الاستيراد، وإنما يمثل ضماناً للحصول على الموافقة اللازمة. ولذلك فإن الشركات ستظل بحاجة إلى العملات الصعبة لسداد قيمة المشتقات البترولية المستوردة، ما يعني أن الطلب الأساسي على الدولار سيبقى قائماً.

ولو افترضنا وجود مائة شركة تسعى للاستيراد، فإن ذلك يعني نظرياً طلب نحو عشرين طناً من الذهب خلال فترة زمنية محددة. وقد يؤدي هذا إلى ارتفاع أسعار الذهب محلياً وزيادة نشاط المضاربات، لكنه لا يعالج جذور أزمة النقد الأجنبي التي ترتبط أساساً بضعف الإنتاج والصادرات وتراجع تدفقات الاستثمار والتحويلات الخارجية.

التجارب التاريخية تشير إلى أن الدول التي واجهت أزمات حادة في العملات الأجنبية لم تعتمد فقط على تقييد الطلب على النقد الأجنبي، وإنما ركزت على توسيع الصادرات وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية. ففي فترات مختلفة استخدمت بعض الدول أنظمة المقايضة والتبادل السلعي لتجاوز نقص العملات الصعبة، حيث تم تبادل النفط أو المعادن أو المنتجات الزراعية مباشرة مقابل السلع والخدمات المطلوبة من الخارج.

وبالنسبة للسودان، الذي يمتلك واحداً من أكبر قطاعات إنتاج الذهب في إفريقيا، فإن خيار التبادل السلعي قد يكون أكثر فاعلية في بعض الحالات. فالذهب سلعة عالمية مقبولة ويمكن أن يستخدم في تسوية جزء من الالتزامات التجارية الخارجية، الأمر الذي قد يخفف الضغط على الدولار ويحد من استنزاف الاحتياطيات المحدودة من النقد الأجنبي.

غير أن نجاح مثل هذه السياسات يظل رهيناً بوجود مؤسسات قوية وآليات رقابة فعالة. فالتجربة السودانية، كما تجارب العديد من الدول النامية، تكشف أن القرارات الاقتصادية المرتبطة بالموارد الاستراتيجية كثيراً ما تصبح عرضة للفساد والاحتكار واستغلال النفوذ. وقد يؤدي غياب الشفافية إلى تحويل مثل هذه الإجراءات إلى أدوات لتحقيق مكاسب لفئات محددة بدلاً من خدمة الاقتصاد الوطني.

وفي ظل ظروف الحرب الحالية، تبدو الحكومة نفسها من أكبر الجهات المحتاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل الواردات والإنفاق المرتبط بالعمليات العسكرية والخدمات الأساسية. لذلك فإن معالجة أزمة النقد الأجنبي تتطلب رؤية أشمل تتجاوز الإجراءات الجزئية، وتقوم على زيادة الإنتاج والصادرات، وتنظيم قطاع الذهب، ومحاربة التهريب، وتطوير آليات التبادل التجاري المباشر مع الدول الشريكة.

في النهاية، قد ينجح قرار ربط استيراد الوقود بالذهب في تحقيق بعض المكاسب المؤقتة أو تحسين الرقابة على الشركات المستوردة، لكنه لن يكون حلاً سحرياً لأزمة الدولار. فالمشكلة أعمق من مجرد سلعة واحدة، وترتبط ببنية الاقتصاد السوداني وظروف الحرب وتراجع الإنتاج. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يصبح الذهب جسراً نحو الاستقرار الاقتصادي، أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة المعالجات المؤقتة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى