مقالات

د. حسين العالم يكتب الغربال + الحج.. حين تذوب المسميات

متابعات مرآة-السودان الحج.. حين تذوب المسميات

الحج.. حين تذوب المسميات

ليست شعيرة الحج مجرد انتقالٍ جغرافي إلى مكة، ولا مجرد طقوس تؤدى في أيام معدودات، بل هي أعظم مؤتمر روحي وإنساني يعيد تشكيل وعي المسلم بذاته وأمته ورسالته. ففي كل شعيرة من شعائر الحج تختبئ رسالة كبرى تتجاوز حدود العبادة الفردية إلى بناء الإنسان والأمة والتاريخ.

قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ﴾

إن الخطاب هنا لم يكن موجهاً لقومٍ دون قوم، ولا لمذهبٍ دون آخر، وإنما للناس جميعاً؛ ليظل الحج إعلاناً أبدياً لوحدة الرسالات ووحدة الطريق إلى الله.

فالحج في جوهره استحضارٌ حيٌّ لقصة نبي الله إبراهيم عليه السلام؛ النبي الذي يمثل الأب الروحي للتوحيد، والذي اجتمعت حوله الرسالات السماوية. لذلك لم تكن مناسك الحج طقوساً منفصلة، بل إعادة تمثيل رمزية لمسيرة الإيمان الكبرى: هاجر تبحث عن الماء في الصفا والمروة، وإبراهيم يرفع قواعد البيت، وإسماعيل يقدم نموذج الطاعة والتسليم.

ومن هنا يصبح الحج مدرسة عملية لوحدة الأمة، لا مجرد عبادة موسمية.

فالإحرام مثلاً ليس مجرد لباس أبيض، بل إعلان سقوط الفوارق المصطنعة بين البشر؛ فلا غني يتميز بماله، ولا حاكم بسلطانه، ولا عِرق يعلو على آخر. الجميع يقفون بالهيئة نفسها، والنداء نفسه: “لبيك اللهم لبيك”. إنها مساواة عملية تعيد الإنسان إلى فطرته الأولى قبل أن تمزقه الهويات الضيقة والانتماءات المتصارعة.

أما الوقوف بعرفة، فهو أعظم مشهد لوحدة الأمة الإنسانية والإسلامية. ملايين البشر يقفون في مكان واحد، وزمان واحد، وغاية واحدة، وكأن البشرية تعود للحظة الخلق الأولى. لا شعارات سياسية، ولا رايات مذهبية، ولا تقسيمات طائفية؛ فقط بشر تجمعهم العبودية لله. ولذلك كان مشهد عرفة رسالةً ضمنية بأن الأمة التي تستطيع أن تجتمع روحياً بهذا الشكل قادرة ـ لو أرادت ـ أن تتجاوز انقساماتها الفكرية والسياسية.

ورمي الجمرات أيضاً ليس فعلاً رمزياً مجرداً، بل توجيه للبوصلة نحو العدو الحقيقي: الشيطان ومنهجه القائم على التفريق والكراهية والاستعلاء. فالأمة التي تنشغل برمي بعضها بعضاً بالتخوين والتكفير، بينما تترك أسباب ضعفها الحقيقية، تكون قد فقدت المعنى العميق لهذه الشعيرة.

وفي خطبة الوداع، رسّخ الرسول ﷺ هذه المعاني حين أعلن حرمة الدماء، والمساواة بين الناس، ووحدة الأمة، ونبذ العصبيات الجاهلية. كانت الخطبة بمثابة الدستور الأخلاقي والإنساني للحضارة الإسلامية، لكنها تحولت عند كثيرين إلى نص يُتلى بدلاً من أن يكون مشروعاً يُبنى عليه الواقع.

إن جزءاً كبيراً من التخلف الذي يعيشه المسلمون اليوم ليس سببه قلة الموارد أو ضعف الإمكانات، بل الابتعاد عن المعاني الكبرى التي يجسدها الحج. فحين تتحول الهويات الفرعية إلى معارك وجودية: سني وشيعي، عرقي وقبلي، حزبي ومناطقي، تضيع الحقيقة البسيطة التي يؤكدها الحج كل عام: أن طريق الحق واحد، وأن الصراع الحقيقي هو بين قيم الخير والعدل والرحمة، وبين الظلم والفرقة والاستعلاء.

الحج يعيد الإنسان إلى الفطرة؛ إلى بساطة التوحيد، ونقاء الانتماء، ووضوح المعركة الأخلاقية. ولذلك فإن أعظم استفادة من هذه الشعيرة ليست أداء المناسك فقط، بل مراجعة “المسير” قبل فوات الأوان: إلى أين تتجه الأمة؟ ولماذا تتنازع وهي تمتلك كل هذه الرموز الجامعة؟

لو استطاع المسلمون أن ينقلوا روح الحج من المشاعر المقدسة إلى واقعهم الفكري والسياسي والاجتماعي، لتحولت الأمة من جماعات متفرقة إلى جسد واحد، ولأصبح الاختلاف تنوعاً لا صراعاً، والحوار جسراً لا سلاحاً.

فالحج ليس رحلة إلى مكة فقط، بل رحلة عودة إلى المعنى الحقيقي للأمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى