مقالات

د. حسين العالم يكتب: الغربال+.. الإنسان في القرآن: أربع علاقات تحدد مصير البشرية

متابعات -مرآة السودان

الإنسان في القرآن: أربع علاقات تحدد مصير البشرية

مقدمة: القرآن يعيد الإنسان إلى ذاته

لا يقتصر الخطاب القرآني على تقديم الأحكام والتوجيهات الدينية، بل يمتد ليؤسس رؤية متكاملة للإنسان ووجوده، وعلاقته بخالقه، وبذاته، وبأخيه الإنسان، وبالكون وسائر المخلوقات. فالقرآن الكريم يخاطب الإنسان باعتباره كائناً عاقلاً ومكلَّفاً، يمتلك القدرة على التفكير والاختيار، ويتحمل مسؤولية أفعاله وآثارها في الحياة.

وتتجلى عالمية هذا الخطاب في تنوع صِيَغه ونداءاته، وفي مقدمتها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾، وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾. وهي صيغ تتفاوت في سياقاتها ودلالاتها، لكنها تلتقي في توجيه الإنسان إلى إدراك حقيقة وجوده، واستيعاب مسؤوليته الأخلاقية، والنظر في علاقاته الأساسية التي يتوقف عليها استقرار حياته وصلاح المجتمع والعالم.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الخطاب القرآني من خلال أربعة أبعاد مترابطة: علاقة الإنسان بالله، وعلاقته بالكون، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بسائر المخلوقات. وتمثل هذه الأبعاد إطاراً فكرياً وأخلاقياً لفهم عدد من الأزمات التي تواجه البشرية في العصر الحديث.

أولاً: تنوع الخطاب القرآني ووحدة المقصد

يخاطب القرآن الكريم الإنسان بصيغ متعددة، تتناسب مع طبيعة الموضوع والسياق والمقصد.

1. الخطاب الإنساني العام

يأتي النداء بصيغة العموم الإنساني، كما في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21).

ويظهر هذا الخطاب أن دعوة الإنسان إلى معرفة خالقه وعبادته ليست منفصلة عن حقيقة وجوده، بل ترتبط بإدراك مصدر الحياة والغاية من الوجود. كما يتجاوز النداء، من حيث صيغته، الحدود العرقية واللغوية والجغرافية، ليؤكد أن الإنسان، أياً كان انتماؤه، مدعو إلى التأمل في أصل وجوده ومسؤوليته.

ويأتي خطاب بني آدم في سياق التذكير بالكرامة والمسؤولية والتحذير من الانحراف، كما في قوله تعالى:

﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 26).

2. الخطاب الموجَّه إلى الإنسان في ذاته

يخاطب القرآن الإنسان أحياناً بصيغة تستثير ضميره وتدعوه إلى مراجعة نفسه وموقفه من الحياة، كما في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (الانفطار: 6).

ويأتي الخطاب هنا في صورة سؤال يوقظ الضمير، ويواجه الإنسان بحقيقة علاقته بربه، ويحمله على التفكير في أسباب الغفلة والاغترار.

وفي موضع آخر، يذكّره القرآن بطبيعة رحلته الوجودية وما تنطوي عليه من سعي ومسؤولية ومصير، فيقول سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6).

وهذا الخطاب ينقل الإنسان من الانشغال بظاهر الحياة إلى التأمل في معناها، ومن الاعتقاد بأن الوجود رحلة بلا غاية إلى إدراك المسؤولية المترتبة على العمل والاختيار.

3. خطاب الإيمان والتكليف

يأتي النداء بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في سياقات تتعلق بالإيمان والعمل والتشريع والأخلاق، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).

ويكشف هذا النداء عن الارتباط الوثيق بين الإيمان والمسؤولية الأخلاقية؛ فالإيمان ليس مجرد اعتقاد ذهني، بل ينعكس في السلوك والعدل والوفاء بالحقوق، حتى في التعامل مع المخالفين.

ومن هنا، فإن تنوع صيغ الخطاب القرآني لا يعني تشتت المقاصد، بل يعكس تكاملها؛ إذ يجمع القرآن بين إيقاظ العقل، ومخاطبة الوجدان، وتوجيه السلوك، وترسيخ المسؤولية الفردية والاجتماعية.

ثانياً: العلاقات الأربع في الرؤية القرآنية للإنسان

1. علاقة الإنسان بالله: من الغفلة إلى الوعي بالغاية

تمثل علاقة الإنسان بالله الأساس الذي تنطلق منه الرؤية القرآنية للوجود؛ فهي علاقة تقوم على الإيمان والعبادة والشكر والتوكل، وتدفع الإنسان إلى استحضار المسؤولية الأخلاقية في جميع شؤون حياته.

ولا يقدم القرآن هذه العلاقة باعتبارها صلة قائمة على البعد والغموض، بل يؤكد قرب الله من عباده واستجابته لدعائهم، كما في قوله تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).

كما يلفت القرآن الإنسان إلى علم الله المحيط به، فيقول سبحانه:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16).

إن استحضار هذه العلاقة يمنح الحياة معنى يتجاوز الاستهلاك والتنافس المادي، ويجعل النجاح مرتبطاً، إلى جانب الإنجاز الدنيوي، بالمسؤولية والعدل والإحسان.

غير أن النقد العلمي للحضارة المعاصرة لا يقتضي تعميم القول إن الإنسان الحديث قد تخلى عن الدين أو الروحانية؛ فالمجتمعات والأفراد يختلفون في معتقداتهم وتجاربهم. لكن من الممكن ملاحظة أن بعض أنماط الحياة الحديثة تعطي الأولوية للثروة والسلطة والاستهلاك، على حساب المعنى الروحي والتوازن النفسي والعلاقات الإنسانية.

وهنا تبرز أهمية استعادة البعد القيمي في حياة الإنسان، بحيث لا تتحول الوسائل المادية، مهما بلغت من التطور، إلى غايات نهائية تبتلع المعنى الأخلاقي للوجود.

2. علاقة الإنسان بالكون: من الاستنزاف إلى الاستخلاف

ينظر القرآن إلى الكون باعتباره مجالاً للتفكر، وميداناً للعمل والإعمار، وآية دالة على قدرة الخالق وحكمته. فالإنسان ليس منفصلاً عن الطبيعة، بل يعيش داخل منظومتها، ويتأثر بتوازناتها، ويتحمل مسؤولية التعامل مع مواردها.

ويقول الله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 29).

ويحث القرآن على اكتشاف آيات الكون والتأمل فيها، فيقول سبحانه:

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53).

كما يقول تعالى:

﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ۝ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 20-21).

وتتجلى أهمية هذه الرؤية في أنها تجمع بين الانتفاع بموارد الكون والتأمل في نظامه، فلا تجعل العلم عدواً للإيمان، ولا تجعل استثمار الطبيعة مبرراً لاستنزافها بلا حدود.

وفي هذا السياق، يقدم القرآن تحذيراً واضحاً من الفساد الناشئ عن أفعال البشر، فيقول سبحانه:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41).

ويمكن الاستفادة من هذه الآية في بناء وعي بيئي وأخلاقي يربط بين أفعال الإنسان ونتائجها، مع ضرورة التمييز بين دلالتها القرآنية العامة وبين التفسيرات العلمية المحددة للظواهر البيئية.

فالتلوث وتدهور النظم البيئية واستنزاف الموارد ليست قضايا فنية فحسب، بل ترتبط أيضاً بأنماط الإنتاج والاستهلاك، وبالعدالة في توزيع الموارد، وبمسؤولية الأجيال الحاضرة تجاه الأجيال المقبلة.

وبذلك يصبح مفهوم الاستخلاف إطاراً أخلاقياً يدعو إلى إعمار الأرض، لا إلى تدمير مقومات الحياة فيها.

3. علاقة الإنسان بأخيه الإنسان: الكرامة أساساً والتعارف منهجاً

يؤسس القرآن للعلاقات الإنسانية على وحدة الأصل البشري، ويجعل الاختلاف بين الشعوب والقبائل مدخلاً للتعارف، لا ذريعة للتنازع أو الاستعلاء.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

تؤكد الآية أن التنوع البشري حقيقة من حقائق الوجود الإنساني، وأن الغاية منه هي التعارف، بما يتيحه من تبادل للخبرات والمنافع، وبناء للعلاقات بين الجماعات المختلفة.

ويؤكد القرآن كرامة بني آدم بقوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70).

ومن مقتضيات هذه الكرامة أن تقوم العلاقات بين البشر على صيانة الحقوق، ورفض الإهانة والظلم، واحترام الحياة الإنسانية، وعدم تحويل الاختلاف في الدين أو اللون أو اللغة أو الانتماء إلى مبرر للعدوان.

ويترجم القرآن هذه المبادئ إلى توجيه عملي واضح، إذ يقول سبحانه:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2).

لكن واقع البشرية يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فالتقدم العلمي والتقني وتوسع وسائل الاتصال لم يؤديا تلقائياً إلى إنهاء الحروب أو القضاء على العنصرية أو تحقيق العدالة الاجتماعية.

ولا تكمن المشكلة في غياب المبادئ الإنسانية من الخطاب النظري وحده، بل في الفجوة بين إعلانها وتطبيقها، وفي إخضاعها أحياناً للمصالح السياسية والاقتصادية وموازين القوة.

ومن هنا، فإن استعادة مفهوم التعارف القرآني تتطلب الانتقال من مجرد الاعتراف بالتنوع إلى بناء مؤسسات تحمي الحقوق، وتحقق العدالة، وتتيح حل النزاعات بالوسائل السلمية، وتمنع استغلال الاختلاف لإشعال الصراعات.

4. علاقة الإنسان بسائر المخلوقات: الرحمة والمسؤولية عن الحياة

لا يحصر القرآن قيمة الوجود في الإنسان وحده، بل يلفت النظر إلى أن الكائنات الأخرى تشارك في نظام الحياة، وأن لها طرائقها في الوجود والتسبيح، وإن لم يدرك الإنسان حقيقتها كاملة.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: 38).

وتكشف الآية عن أهمية النظر إلى الكائنات الحية بوصفها جماعات لها أنماط وجودها، لا مجرد موارد خالية من القيمة.

ويقول سبحانه:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44).

ومن هذه الرؤية تنشأ مسؤولية أخلاقية في التعامل مع الحيوان والنبات والموارد الطبيعية، تقوم على الرفق وتجنب الإفساد والإسراف، وتحقيق التوازن بين حاجات الإنسان ومتطلبات استمرار الحياة.

وتتزايد أهمية هذه المسؤولية في العصر الحديث، في ظل تدهور موائل الكائنات الحية، وتراجع التنوع البيولوجي، والتوسع العمراني والصناعي الذي لا يراعي دائماً الحدود البيئية.

ولا تعني هذه الرؤية منع الإنسان من الانتفاع بالطبيعة، وإنما تعني أن الانتفاع ينبغي أن تحكمه ضوابط تمنع الضرر غير المبرر، وتحفظ الموارد، وتراعي حق الأجيال المقبلة في بيئة صالحة للحياة.

إن الإنسان، وفق هذه الرؤية، ليس مالكاً مطلقاً للكون يتصرف فيه بلا قيد، بل مسؤول عن كيفية استخدام ما أتيح له من إمكانات، وعن الآثار التي تتركها أفعاله في الكائنات والبيئة.

ثالثاً: أزمة البشرية المعاصرة في ضوء العلاقات الأربع

عند النظر إلى الأزمات العالمية المعاصرة من خلال هذه المنظومة، يتبين أن كثيراً من المشكلات لا تنشأ من خلل منفرد، بل من اضطراب العلاقات التي تنظم وجود الإنسان.

أولاً، اختلال البعد الروحي والأخلاقي: حين تُختزل قيمة الإنسان في قدرته على الإنتاج والاستهلاك، تتراجع أهمية المعنى والضمير والمسؤولية، وقد يجد الفرد نفسه محاطاً بوسائل الراحة والاتصال، لكنه يعاني الوحدة أو الاغتراب أو فقدان الغاية. ولا يعني ذلك أن التقدم المادي يؤدي بالضرورة إلى هذه النتائج، بل إن غياب التوازن بين الإنجاز المادي والإشباع النفسي والروحي قد يسهم فيها.

ثانياً، اختلال العلاقة بالكون: أدى التوسع غير المنضبط في بعض أنماط الإنتاج والاستهلاك إلى مشكلات بيئية متزايدة، من بينها التلوث وتدهور النظم الطبيعية واستنزاف الموارد. وتكشف هذه المشكلات عن ضرورة إدماج المسؤولية البيئية في السياسات الاقتصادية والتنموية، بدلاً من التعامل مع الطبيعة باعتبارها مصدراً غير محدود للموارد.

ثالثاً، اختلال العلاقات الإنسانية: لا تزال الحروب والنزاعات والتمييز والفقر والتفاوتات الحادة تقف عائقاً أمام تحقيق الكرامة الإنسانية. كما أن امتلاك العالم وسائل اتصال متقدمة لم يضمن وحده قيام علاقات عادلة؛ إذ يمكن لهذه الوسائل أن تخدم الحوار والتعاون، كما يمكن أن تُستخدم لنشر التضليل والكراهية وتعميق الانقسامات.

رابعاً، اختلال العلاقة بسائر المخلوقات: تكشف خسارة التنوع البيولوجي وتدهور الموائل الطبيعية عن كلفة إهمال الاعتبارات البيئية في أنشطة الإنسان. فاستمرار الحياة لا يعتمد على الموارد التي يحصل عليها الإنسان مباشرة فحسب، بل يتأثر أيضاً بسلامة النظم البيئية وتوازنها.

وتكشف هذه الأزمات مجتمعة عن حقيقة مهمة: أن معالجة مشكلات البشرية لا يمكن أن تعتمد على التطور التقني وحده، كما لا يكفي فيها الوعظ الأخلاقي إذا لم يتحول إلى سياسات ومؤسسات وممارسات واقعية.

إن الحاجة قائمة إلى رؤية تجمع بين العلم والقيم، وبين حرية الإنسان ومسؤوليته، وبين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الانتفاع بموارد الأرض وحماية مقومات استمرار الحياة.

رابعاً: نحو مشروع متكامل لإصلاح العلاقة بالوجود

إن استلهام الرؤية القرآنية للعلاقات الأربع لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التأمل النظري، بل يمكن أن يتحول إلى برنامج عملي للإصلاح على مستويات الفرد والمجتمع والدولة.

فعلى مستوى الفرد، يتطلب الأمر تنمية الوعي بالغاية والمسؤولية، وربط الإيمان بالسلوك، وترسيخ قيم الصدق والأمانة والعدل والرحمة.

وعلى مستوى المجتمع، تبرز أهمية تعزيز ثقافة الحوار والتعارف، ومقاومة العنصرية وخطابات الكراهية، وحماية كرامة الإنسان، وتوسيع مجالات التعاون والتكافل.

أما على مستوى الدولة، فتقتضي هذه الرؤية إقامة مؤسسات عادلة، وسن سياسات تحمي الحقوق، وتحقق تكافؤ الفرص، وتدعم التعليم والبحث العلمي، وتضمن إدارة الموارد العامة بما يخدم المصلحة المشتركة.

وفي المجال البيئي، يتطلب الإصلاح تبني سياسات تنموية تراعي الاستدامة، وتحد من التلوث والهدر، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتوازن بين حاجات التنمية وحقوق الأجيال القادمة.

وبذلك لا تبقى القيم القرآنية مفاهيم مجردة، بل تتحول إلى معايير لتقييم السياسات والقرارات والممارسات، وإلى أساس لبناء علاقة أكثر توازناً بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان والكون الذي يعيش فيه.

خاتمة: إصلاح الإنسان مدخل لإصلاح العالم

إن النداءات القرآنية الموجهة إلى الإنسان ليست مجرد صيغ لغوية متكررة، بل تحمل دعوة مستمرة إلى الوعي والتفكر والمراجعة وتحمل المسؤولية. فالإنسان الذي يدرك حقيقة علاقته بخالقه، ويتأمل موقعه في الكون، ويحترم كرامة أخيه الإنسان، ويراعي حق سائر المخلوقات في الحياة، يكون أقدر على الإسهام في بناء مجتمع متوازن وعالم أكثر عدلاً ورحمة.

وتتجلى أهمية هذه الرؤية في جمعها بين البعد الروحي والبعد الأخلاقي والبعد الاجتماعي والبعد البيئي، من غير أن تجعل أحدها بديلاً عن الآخر. فصلاح العلاقة بالله لا ينفصل عن مقتضيات العدل في التعامل مع الناس، كما أن عمارة الأرض لا تستقيم مع إفساد البيئة، ولا تتحقق كرامة الإنسان في ظل الحروب والتمييز وانتهاك الحقوق.

إن أزمة البشرية المعاصرة، في جانب مهم منها، هي أزمة اختلال في منظومة القيم والعلاقات، ولذلك فإن تجاوزها يتطلب أكثر من حلول تقنية أو اقتصادية جزئية؛ إنه يحتاج إلى إعادة بناء الوعي بالإنسان وغايات وجوده ومسؤوليته عن العالم.

وهنا تتجدد دلالة النداء القرآني الجامع:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

إنها دعوة إلى تجاوز التعصب، وبناء علاقات إنسانية قوامها التعارف والعدل، وإلى إدراك أن اختلاف البشر لا يلغي وحدة أصلهم، وأن قوة الحضارة لا تقاس بما تمتلكه من أدوات فحسب، بل أيضاً بما تحققه من كرامة وعدالة ورحمة، وبما تتركه من أرض صالحة للحياة.

فالإنسان ليس مجرد مستفيد من العالم، بل هو مسؤول عن وجهته؛ وبقدر ما يصلح علاقاته الأربع، يقترب من تحقيق المعنى الأخلاقي للاستخلاف في الأرض.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى