
تأشيرة البرهان.. ورقة أم أزمة؟
أعادت أزمة عدم منح الولايات المتحدة تأشيرة دخول لرئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الجدل حول حدود سلطة الدولة المضيفة لمقر المنظمة الدولية، ومستقبل العلاقات السودانية مع القوى الكبرى.
فالقضية لا تتعلق بالتأشيرة وحدها، وإنما بالسؤال الأوسع: إلى أي مدى تستطيع الدولة المضيفة استخدام التأشيرة أداةً للضغط السياسي على دولة عضو في الأمم المتحدة؟
اتفاق المقر المبرم بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة عام 1947 يلزم واشنطن بتيسير وصول ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر المنظمة، وينص على منح التأشيرات المطلوبة في أسرع وقت ممكن. ولذلك فإن ربط التأشيرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بموقف سياسي من الهدنة أو المفاوضات يثير تساؤلات قانونية تتجاوز الخلاف السياسي بين الخرطوم وواشنطن.
لكن السودان، في المقابل، لا ينبغي أن يحول القضية إلى مواجهة عاطفية مع الولايات المتحدة، كما لا ينبغي أن يجعل حاجته إلى العلاقة معها سبباً للتنازل عن مصالحه الوطنية.
بين واشنطن وموسكو وبكين
تملك الولايات المتحدة أوراقاً مؤثرة في النظام الدولي والمؤسسات المالية والعقوبات والمسارات الدبلوماسية، بينما تمتلك روسيا أوراقاً استراتيجية وعسكرية مهمة، خصوصاً في البحر الأحمر، في حين تمثل الصين شريكاً اقتصادياً وسياسياً قادراً على الإسهام في مشروعات البنية التحتية والاستثمار وإعادة الإعمار.
ومن الخطأ أن يتعامل السودان مع هذه القوى بمنطق «معسكر أو معسكر». فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح، والدولة التي تمتلك أكثر من خيار تكون أقدر على حماية مصالحها.
كما أن الموقف الروسي في مجلس الأمن لا ينبغي تضخيمه إلى درجة الحديث عن «تحالف دائم»، ولا ينبغي في المقابل تجاهله؛ فالسياسة الروسية تجاه السودان تحكمها أيضاً مصالحها الاستراتيجية. والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة والصين.
أين تكمن المشكلة؟
المشكلة ليست في قلة الأوراق التي يمتلكها السودان، وإنما في كيفية استخدامها.
فالسودان يمتلك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وموارد زراعية ومعدنية وحيوانية، وسوقاً واسعاً، وموقعاً يربط العالم العربي بأفريقيا. لكن هذه الأوراق لا تتحول إلى قوة تفاوضية إلا إذا تحولت السياسة الخارجية من رد الفعل إلى المبادرة.
لذلك فإن المطلوب ليس الانحياز إلى واشنطن ضد موسكو، أو إلى موسكو ضد واشنطن، وإنما بناء سياسة خارجية متعددة الاتجاهات تقوم على المصالح السودانية.
ما المطلوب؟
أولاً، التعامل مع قضية تأشيرة البرهان عبر القنوات القانونية والدبلوماسية للأمم المتحدة، وعدم اختزالها في معركة سياسية أو إعلامية.
ثانياً، فصل ملف التأشيرة عن ملف الهدنة؛ فإذا كانت هناك هدنة إنسانية تحمي المدنيين وتفتح الطريق أمام المساعدات، فينبغي التفاوض حول شروطها وضماناتها بصورة مستقلة عن قضية التأشيرة.
ثالثاً، الحفاظ على قنوات الحوار مع واشنطن، مع تطوير العلاقات مع روسيا والصين وغيرها، بحيث لا يصبح السودان أسيراً لعلاقة واحدة.
رابعاً، تحويل العلاقة مع الصين وروسيا إلى مشروعات ومصالح ملموسة في الطاقة والتعدين والزراعة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، بدلاً من الاكتفاء بالمواقف السياسية.
خامساً، بناء دبلوماسية سودانية نشطة داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بما يوسع مساحة الحركة السودانية.
الخلاصة
أزمة تأشيرة البرهان ينبغي ألا تتحول إلى اختبار للولاء لهذا المحور أو ذاك، بل إلى فرصة لإعادة تعريف السياسة الخارجية السودانية.
السودان لا يحتاج إلى اختيار أمريكا أو روسيا أو الصين؛ بل يحتاج إلى التعامل مع الجميع من موقع المصالح المتبادلة.
فالهدف ليس إرضاء واشنطن، ولا الارتماء في أحضان موسكو، ولا الاعتماد الكامل على بكين، وإنما بناء دولة تستطيع أن تقول لكل الأطراف:
لدينا مصالح مشتركة معكم، لكن قرارنا الوطني يصنعه السودان.
وهنا تكمن المعالجة الحقيقية: تحويل تعدد العلاقات الدولية من مصدر للانقسام إلى ورقة تفاوض، وتحويل موارد السودان وموقعه الاستراتيجي من أعباء سياسية إلى أدوات قوة تخدم السلام والاستقرار وإعادة بناء الدولة.









