د. حسين العالم : يكتب الغربال + ما الذي يهزم التحالفات في السودان؟
متابعات مرآة-السودان د. حسين العالم : يكتب الغربال + ما الذي يهزم التحالفات في السودان؟
ما الذي يهزم التحالفات في السودان؟
يكاد التاريخ السياسي السوداني منذ الاستقلال يعيد إنتاج المشهد ذاته بصورة تكاد تكون متطابقة؛ قوى سياسية وفكرية متباينة تتجاوز خلافاتها مؤقتًا، وتتوحد لإسقاط النظام القائم، ثم ما إن يتحقق الهدف حتى تبدأ معركة جديدة، لا لبناء الدولة، وإنما لتحديد من يحكمها وكيف تُدار. وهكذا يتحول التحالف من وسيلة لإنقاذ الوطن إلى محطة انتقالية نحو صراع جديد، لتدخل البلاد في دورة لا تكاد تنتهي من الانقلابات والثورات والانقسامات والحروب.
هذه الظاهرة ليست وليدة مرحلة بعينها، وإنما تكاد تكون السمة الأبرز في التجربة السياسية السودانية.
في سبعينيات القرن الماضي تشكلت الجبهة الوطنية التي ضمت حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وجبهة الميثاق الإسلامي (الحركة الإسلامية لاحقًا). وبرغم التباين الفكري الكبير بين هذه القوى، فقد وحدها هدف واحد هو إسقاط نظام الرئيس جعفر نميري. وفي إطار هذا الهدف جاءت أحداث يوليو 1976، التي وصفها نظام نميري بـ”حركة المرتزقة” نسبة إلى الدعم الليبي الذي تلقته، بينما اعتبرتها القوى المشاركة محاولة لإسقاط نظام شمولي واستعادة الديمقراطية.
ورغم انتهاء المواجهة بالمصالحة الوطنية عام 1977، فإن التحالف نفسه لم يصمد، لأن ما جمع أطرافه كان إسقاط النظام، لا الاتفاق على مشروع وطني متكامل لما بعد سقوطه.
وتكرر المشهد مرة أخرى قبيل انتفاضة أبريل 1985، عندما التقت الأحزاب السياسية والنقابات والقوى المهنية والجماهير حول هدف إنهاء حكم نميري، لكن بعد نجاح الانتفاضة عادت الخلافات التقليدية بين القوى السياسية، وعادت معها حالة عدم الاستقرار حتى جاء انقلاب عام 1989.
ثم أعادت المعارضة إنتاج التجربة في مواجهة نظام الرئيس عمر البشير، عبر تحالفات متعددة، منها التجمع الوطني الديمقراطي، ثم قوى الإجماع الوطني، ثم قوى إعلان الحرية والتغيير. ورغم اختلاف المراحل، ظل العامل المشترك هو توحيد الجهود لإسقاط النظام، دون وجود اتفاق راسخ حول شكل الدولة، أو طبيعة مؤسساتها، أو كيفية إدارة المرحلة الانتقالية.
وبعد سقوط نظام البشير في عام 2019، ظهرت الخلافات سريعًا حول قضايا السلطة، والتمثيل، والإصلاح الأمني والعسكري، والعدالة الانتقالية، وتقاسم النفوذ. ومع تراكم الخلافات وتعثر بناء الثقة، وصلت البلاد إلى واحدة من أخطر مراحل تاريخها، عندما اندلعت الحرب التي لا تزال تلقي بظلالها على السودان وشعبه.
إن المتأمل في هذه المحطات يلاحظ أن جميع التحالفات السودانية تقريبًا اجتمعت على “ما ترفضه”، لكنها لم تتفق بما يكفي على “ما تريده”. فقد كان الاتفاق على إزالة الخصم، بينما بقيت قضايا الدستور، وهوية الدولة، والعلاقة بين الدين والسياسة، وتقاسم السلطة والثروة، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، مؤجلة إلى ما بعد الانتصار، فإذا بها تتحول إلى أسباب للخلاف والانقسام.
وبعبارة أخرى، كان العدو المشترك أقوى من المشروع المشترك.
ولعل الخطأ الأكبر الذي تكرر مرارًا هو التعامل مع الوطن باعتباره غنيمة سياسية بعد سقوط النظام، لا باعتباره مسؤولية مشتركة قبل سقوطه وبعده. فكل طرف كان يرى في نجاح الثورة أو المعارضة بدايةً لتحقيق برنامجه الخاص، بينما كانت الأطراف الأخرى تحمل التصور نفسه، فتبدأ معركة جديدة تنتهي غالبًا بإضعاف الدولة نفسها.
لقد أثبت التاريخ أن التحالفات التي تُبنى على الأشخاص أو على الخصومات المؤقتة سرعان ما تنهار، أما التحالفات التي تُبنى على المبادئ والمؤسسات فهي الأقدر على البقاء.
ولهذا، فإن السودان اليوم ليس بحاجة إلى تحالف جديد بقدر حاجته إلى ميثاق وطني دائم، لا يقوم على اقتسام السلطة، وإنما على الاتفاق حول قواعد إدارة الاختلاف.
ومن أهم الأسس التي يمكن أن تشكل هذا الميثاق:
أن تكون وحدة السودان وسيادته خطًا أحمر لا يخضع للمساومة.
الاحتكام إلى التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة.
احترام التنوع الثقافي والديني والعرقي باعتباره مصدر قوة لا سببًا للصراع.
الفصل بين مؤسسات الدولة والتنافس الحزبي حتى تبقى الدولة للجميع.
تحريم اللجوء إلى السلاح لحسم الخلافات السياسية.
الالتزام باستقلال القضاء وسيادة حكم القانون.
الاتفاق على أن أي دستور دائم لا يُفرض بالغلبة، وإنما بالتوافق الشعبي الواسع.
ترسيخ ثقافة الشراكة الوطنية بحيث تكون المعارضة جزءًا من النظام الديمقراطي لا عدوًا للدولة.
لقد علمتنا التجارب أن إسقاط الأنظمة أسهل كثيرًا من بناء الدول، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بإزالة الحاكم، وإنما بالقدرة على تأسيس نظام يمنع عودة الاستبداد ويحتوي الاختلاف ويحفظ وحدة الوطن.
فالسودان لا تنقصه التحالفات، وإنما تنقصه القواعد التي تجعل التحالف وسيلة لبناء الدولة لا مجرد جسر إلى السلطة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع اليوم ليس: كيف نسقط خصمنا؟ بل: كيف نبني وطنًا يتسع للجميع، فلا يصبح كل اختلاف مشروع حرب جديدة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان السودان سيواصل الدوران في الحلقة نفسها، أم سيبدأ أخيرًا كتابة فصل جديد من تاريخه، عنوانه: الاتفاق على الوطن قبل الاتفاق على السلطة.








