د. حسين العالم يكتب الغربال + السودان بين نار الحرب وتقاطع المصالح.. هل يقترب سيناريو التقسيم
متابعات مرآة-السودان السودان بين نار الحرب وتقاطع المصالح.. هل يقترب سيناريو التقسيم
السودان بين نار الحرب وتقاطع المصالح.. هل يقترب سيناريو التقسيم؟
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، لم يعد الصراع مجرد مواجهة داخلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تتشابك حسابات الأمن القومي، والنفوذ الاقتصادي، والسيطرة على البحر الأحمر، مع صراعات الهوية والسلطة داخل السودان نفسه.
ومع دخول عام 2026، تبدو البلاد أمام مفترق تاريخي خطير: إما تسوية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة، أو استمرار حرب الاستنزاف بما يقود إلى تقسيم واقعي قد يتحول إلى انفصال رسمي يهدد مستقبل السودان والمنطقة بأكملها.
الرباعية الدولية.. توافق ظاهري وصراع خفي
برزت دول “الرباعية الدولية”؛ وهي الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، بوصفها الفاعل الخارجي الأبرز في الملف السوداني. ورغم اتفاق هذه الدول ظاهرياً على ضرورة وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، فإن أدواتها وتحالفاتها على الأرض تعكس تنافساً عميقاً.
مصر.. هاجس الدولة الموحدة
تنظر القاهرة إلى السودان باعتباره عمقاً استراتيجياً مباشراً لأمنها القومي، وترى أن انهيار الدولة السودانية أو تقسيمها يشكل تهديداً خطيراً، ليس فقط بسبب الحدود الطويلة بين البلدين، بل أيضاً لارتباط السودان بملف مياه النيل وأمن البحر الأحمر.
لذلك دعمت مصر المؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها الضامن لوحدة الدولة، ورفضت أي ترتيبات قد تمنح قوات الدعم السريع أو أي قوى موازية وضعاً مستقلاً يهدد مركزية الدولة.
السعودية.. توازنات البحر الأحمر
أما السعودية، فتسعى إلى منع تحول السودان إلى مصدر فوضى يهدد أمن البحر الأحمر ومشروعاتها الاقتصادية والاستراتيجية. ولهذا قادت مسارات الوساطة، خصوصاً عبر منبر جدة، في محاولة لفرض وقف إطلاق النار وتهيئة تسوية سياسية.
لكن الرياض تدرك في الوقت نفسه أن استمرار الحرب يمنح قوى إقليمية أخرى فرصة لتعزيز نفوذها في الموانئ والسواحل السودانية، وهو ما يجعل موقفها أقرب إلى محاولة إدارة توازنات دقيقة بين الأطراف المختلفة.
الإمارات.. النفوذ عبر الفاعلين غير الرسميين
في المقابل، تتهم أطراف سودانية وإقليمية أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع سياسياً ولوجستياً، في إطار استراتيجية تقوم على بناء نفوذ عبر قوى محلية غير تقليدية، بما يضمن مصالح اقتصادية تتعلق بالذهب والموانئ والتجارة العابرة للبحر الأحمر.
ورغم نفي الإمارات لهذه الاتهامات، فإن الجدل حول دورها ظل أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة السودانية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من تحول السودان إلى ساحة نفوذ إقليمي طويل الأمد.
الولايات المتحدة.. منع الانهيار دون حسم
الولايات المتحدة من جهتها تتحرك وفق أولويات متعددة: منع انهيار الدولة السودانية، وقف تمدد النفوذ الروسي والإيراني، وضمان أمن البحر الأحمر.
لكن واشنطن تبدو حذرة من تحقيق انتصار عسكري كامل لأي طرف، خشية إنتاج سلطة عسكرية مطلقة أو فوضى إقليمية أوسع، وهو ما جعل سياستها أقرب إلى إدارة الأزمة أكثر من حسمها.
إسرائيل.. الحضور غير المعلن
ورغم غيابها الرسمي عن المشهد، فإن إسرائيل تظل حاضرة في الحسابات الإقليمية المرتبطة بالسودان، خاصة في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر ومنع أي نفوذ إيراني أو نشاط لفصائل معادية قرب حدودها البحرية.
وتشير تحليلات وتقارير متعددة إلى وجود تنسيق غير مباشر بين بعض القوى الإقليمية وإسرائيل في ملفات تتعلق بالبحر الأحمر والتوازنات الأمنية، الأمر الذي يزيد تعقيد المشهد ويعمق حالة الاستقطاب داخل السودان.
الانقسام الداخلي.. السياسة تحت ضغط الخارج
الحرب لم تنشأ فقط بسبب التدخلات الخارجية، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً بفعل ارتباط بعض القوى الداخلية بمحاور إقليمية متنافسة.
قوى الاتفاق الإطاري
دعمت قوى مدنية بارزة الاتفاق الإطاري باعتباره مدخلاً للانتقال الديمقراطي، لكنها واجهت اتهامات بأنها منحت الدعم السريع غطاءً سياسياً قبل الحرب، وهو ما تسبب في فقدانها جزءاً من الحاضنة الشعبية.
التيار الإسلامي وأنصار النظام السابق
في المقابل، رفضت قوى الإسلاميين والنظام السابق الاتفاق الإطاري واعتبرته مشروعاً لإقصائها، ثم اتجهت لدعم الجيش بعد اندلاع الحرب، باعتبار أن المعركة تمثل دفاعاً عن الدولة المركزية ومؤسساتها.
الحركات المسلحة
أما الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، فقد انقسمت بين داعم للجيش، ومحاول للتموضع بين الأطراف، بينما تحولت بعض الفصائل إلى جزء من المعادلة العسكرية الجديدة، ما زاد تعقيد المشهد الأمني.
هل الحسم العسكري ممكن؟
حتى الآن، تشير الوقائع الميدانية إلى صعوبة تحقيق انتصار عسكري حاسم.
فالجيش يحتفظ بتفوق مؤسسي وسيطرة على الشرق والشمال ومعظم المدن الاستراتيجية، بينما تملك قوات الدعم السريع انتشاراً واسعاً في دارفور وأجزاء من كردفان، مع قدرة عالية على الحركة والحرب غير التقليدية.
ومع طول أمد الحرب، بدأت تتشكل إدارات واقتصادات موازية، ما يعزز سيناريو “التقسيم الواقعي” حتى دون إعلان رسمي.
هل ينقسم السودان إلى دولتين؟
أصبح هذا السؤال مطروحاً بقوة في مراكز الدراسات الإقليمية والدولية، خاصة بعد ثبات خطوط السيطرة العسكرية.
كيف يمكن أن تُرسم الحدود؟
إذا حدث التقسيم ـ وهو سيناريو كارثي بالنسبة لكثير من السودانيين ـ فمن المرجح أن تكون الحدود وفق مناطق السيطرة العسكرية الحالية:
الشمال والشرق والوسط تحت سلطة الجيش.
أجزاء واسعة من دارفور وكردفان تحت نفوذ الدعم السريع وحلفائه.
لكن المشكلة أن هذه المناطق نفسها ليست متجانسة قبلياً أو سياسياً، ما يعني أن أي حدود جديدة قد تفتح الباب لصراعات داخلية أعمق، وربما حروب جديدة بين المكونات المحلية نفسها.
هل ستستقر الدولتان إذا وقع الانقسام؟
المؤشرات الحالية تقول إن التقسيم لن ينتج دولتين مستقرتين، بل كيانين هشين يعانيان من أزمات بنيوية:
اقتصاد منهار.
نزاعات قبلية متداخلة.
صراع على الموارد والمياه والموانئ.
اعتماد متزايد على الدعم الخارجي.
انتشار السلاح والجماعات المسلحة.
وبالتالي فإن التقسيم قد لا يكون نهاية للحرب، بل بداية لسلسلة طويلة من النزاعات الصغيرة داخل كل كيان جديد.
ما الخيارات المتاحة لإنقاذ السودان؟
رغم قتامة المشهد، ما تزال هناك مسارات يمكن أن تمنع الانهيار الكامل:
أولاً: وقف الحرب فوراً
لا يمكن الحديث عن أي حل سياسي دون وقف شامل ومستدام لإطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية.
ثانياً: توحيد الوساطات
تعدد المبادرات الإقليمية والدولية أضعف فرص السلام، لذلك تبدو الحاجة ملحة لمنبر موحد يضم السعودية ومصر والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة وهذه المسألة ظهرت في مؤتمر برلين الاخير ولكن عيبه انه لم يشرك أطراف النزاع .
ثالثاً: مشروع وطني جديد
الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل أزمة دولة وهوية. ولهذا فإن أي تسوية حقيقية يجب أن تقوم على مشروع وطني شامل لا يقصي أحداً، ويعيد بناء الجيش والمؤسسات المدنية على أسس جديدة.
رابعاً: تحييد السودان عن صراعات المحاور
استمرار السودان كساحة صراع إقليمي سيجعل أي اتفاق هشاً وقابلاً للانفجار مجدداً.
الخلاصة
السودان اليوم يقف على حافة لحظة تاريخية فاصلة. فالحرب لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل أصبحت عقدة إقليمية ودولية تتشابك فيها مصالح الرباعية الدولية وإسرائيل والقوى المحلية المسلحة والسياسية.
وفي ظل غياب مشروع وطني جامع، واستمرار التدخلات الخارجية، تبدو احتمالات الحسم العسكري ضعيفة، بينما يقترب شبح التقسيم الواقعي أكثر من أي وقت مضى.
لكن أخطر ما يواجه السودان ليس فقط خطر الانقسام، بل احتمال أن يتحول هذا البلد الكبير إلى مساحة دائمة للفوضى والصراعات بالوكالة، بما يهدد أمن المنطقة بأكملها.








