مقالات

د. حسين العالم يكتب الغربال+النداء المنسي بين تكريم الرب وتخلف الأمة

متابعات مرآةـالسودان النداء المنسي بين تكريم الرب وتخلف الأمة

النداء المنسي بين تكريم الرب وتخلف الأمة

 

في عالمٍ يتسارع نحو إعادة تعريف القيم والمعايير، يبرز سؤال وجودي يفرض نفسه بإلحاح على ضمير كل مسلم:

هل الخطاب القرآني الذي خاطب “الإنسان” و”الناس” قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، يتطابق مع ما وصلت إليه البشرية اليوم من مفاهيم حقوق الإنسان والعدالة؟

وإذا كان الجواب نعم في كثير من الجوانب، فلماذا تبدو هذه القيم أكثر حضورًا في واقع بعض المجتمعات غير الإسلامية مقارنة ببعض المجتمعات الإسلامية نفسها؟

هذا السؤال لا يطعن في النص، بل يكشف فجوة صادمة بين “الخطاب” و”الممارسة” — فجوة تستحق قراءة واعية تتجاوز التبرير إلى التشخيص، ثم إلى المعالجة الجذرية.

أولاً: “يا أيها الإنسان”.. إعلان عالمي سابق لعصره

عندما خاطب القرآن الكريم “الإنسان” و”الناس”، لم يكن يُصدر خطابًا دينيًّا ضيقًا، بل كان يُؤسس لرؤية كونية شاملة، وركائز هذه الرؤية واضحة لا لبس فيها.

الكرامة الإنسانية: تكريم بلا تمييز

لقد وضع القرآن الكريم كرامة الإنسان في صدارة اهتماماته، وجعلها حقًّا أصيلاً لا يُسلب. يقول الله تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً” [الإسراء: 70]. هذا التكريم ليس حكرًا على مسلم دون آخر، بل هو مُنْعَقِد بصفة “الإنسانية” نفسها. بل إن الله تعالى كشف عن مكانة الإنسان حين أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” [ص: 72].

الحرية والمسؤولية: وعي لا إكراه

واللافت أن القرآن لم يترك للإنسان مساحة للإكراه في دينه، بل جعل الحرية أساسًا للاختيار والمسؤولية: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” [البقرة: 256]. بل ذهب أبعد من ذلك حين خاطب النبي ﷺ بأن مهمته هي التذكير وليس الإجبار: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ” [الغاشية: 21-22]. والإنسان كما يصفه القرآن كادح ومكلف، له إرادة حرة، لكنه محاسب على اختياراته.

 

العدالة والأخلاق: جوهر الرسالة

والقيم الأخلاقية في الإسلام ليست وصايا جانبية، بل هي صميم الدين وجوهره. فالأمانة التي نادى بها القرآن هي ذاتها “الشفافية” التي تطلبها المؤسسات المالية العظمى اليوم: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” [النساء: 58]. وقد وصف المفسرون هذه الآية بأنها من “أمهات الأحكام” التي تضمنت جميع الدين والشرع. بل إن النبي ﷺ جعل الأمانة علامة فارقة بين المؤمن والمنافق: “آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ” [رواه البخاري].

 

ثانيًا: القيم المعاصرة.. امتداد إنساني أم سرقة مكشوفة؟

ما يُعرف اليوم بـ”حقوق الإنسان” أو “القيم المدنية الحديثة” ليس وليد الصدفة، ولا هو ابتكار من فراغ. بل هو امتداد طبيعي لنفس المبادئ التي نادى بها الأنبياء جميعًا. فالمساواة أمام القانون في المفاهيم الغربية تقابلها في الإسلام العدل المطلق، وحرية الاعتقاد تقابلها آية “لا إكراه في الدين”، والكرامة الإنسانية تقابلها آية “ولقد كرمنا بني آدم”، ومحاربة الفساد تقابلها النصوص الكثيرة التي تذم الخيانة والظلم. هذا التقاطع المذهل يطرح حقيقة مزعجة للبعض: الخطاب القرآني لم يكن متأخرًا عن عصره، بل كان متقدمًا عليه — ومازال متقدمًا!

ثالثًا: المفارقة الصادمة.. القيم هناك أكثر حضورًا من هنا

رغم هذا التوافق النظري، تشير الممارسة الواقعية إلى مفارقة قاتلة: كثير من القيم التي دعا إليها الإسلام تُطبَّق بوضوح في بعض الدول غير الإسلامية، بينما تعاني مجتمعاتنا منها!

لماذا نجحت مجتمعات أخرى؟ لأنها طبَّقت القيم  حتى دون مرجعية دينية صريحة! فقد نجحت في احترام النظام، وبناء مؤسسات قوية، وتطبيق القوانين بعدالة، وربط القيم بالممارسة اليومية.

وماذا عن بعض مجتمعاتنا؟ نعاني من ضعف المؤسسات، وانتشار الفساد، وغياب العدالة، وازدواجية المعايير. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا مفر منه: أين الخلل؟

رابعًا: أزمة المسلم المعاصر.. “عبادة بلا منهج”

الخلل — ولا شك — ليس في النصوص. النصوص القرآنية والنبوية واضحة وكافية ومتكاملة. بل الخلل يكمن في ثلاثة مستويات أساسية.

أولاً: خلل في الفهم يتمثل في اختزال الدين في  ممارسة الصلاة والصيام كطقوس وليس عبادات يتعلم منها الناس احترام الزمن و تنظيم الصفوف وحدة القيادة والإخلاص والصبر التي تنعكس على تعاملات الناس في حياتهم ، لكن اختزال الدين فيهما والتعامل معهم كطقوس وتهميش القيم هو الكارثة. للأسف، أصبح “التدين” عند الكثيرين هو طول اللحية وقصر الثوب، بينما الغش في التجارة والرشوة في المعاملات أمر مباح! قال ﷺ محذرًا من هذه الظاهرة: “أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى الصَّلَاةُ” [رواه الطبراني].

ثانيًا: خلل في التفعيل يتمثل في غياب المؤسسات.

القيم لا تعيش في الفراغ، ولا تتحقق بالوعظ وحده. تحتاج القيم إلى قوانين عادلة، وقضاء مستقل، وأنظمة شفافة، ورقابة صارمة. الغرب أخذ هذه القيم و”أسسها” في مؤسساته. نحن أخذناها وجعلناها خطب جمعة!

ثالثًا: خلل في الوعي الجمعي يتمثل في الفصل بين المسجد والسوق.

لقد تم فصل “العبادة” عن “المعاملة” في وعي الكثيرين. اختُصر الدين في الشعائر، بينما جوهر المراد الرباني هو “التزكية” التي تترجم إلى إتقان في العمل، وصدق في التجارة، وعدل في الحكم.

خامسًا: من التدين الشكلي إلى التدين الحضاري

المجتمع الذي يحقق “المراد الرباني” ليس هو الأكثر شعائر فقط، بل هو الأكثر عدلًا، والأكثر أمانة، والأكثر إتقانًا، والأكثر احترامًا للإنسان. فالعبادة في الإسلام ليست انفصالاً عن الحياة، بل هي إعادة تشكيل للحياة وفق القيم.

لقد حمل الإنسان “الأمانة” العظمى التي رفضت السماوات والأرض حملها: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ” [الأحزاب: 72]. فهل نستحق هذه الثقة؟ أم أننا خنَّا الأمانة؟

سادسًا: كيف نعيد بناء المجتمع على الخطاب القرآني؟

الحل ليس في الشعارات، ولا في التبرير، ولا في اتهام الآخرين. الحل هو إعادة تأسيس العلاقة مع الخطاب من جديد، عبر ثلاث خطوات عملية.

أولاً: إعادة الفهم بتحويل القرآن من كتاب تلاوة إلى كتاب حياة، وذلك بفهم المقاصد لا الاكتفاء بالنصوص، وقراءة الواقع في ضوء القيم، والعودة إلى جوهر الإسلام لا ظاهره.

ثانيًا: بناء المؤسسات بإضفاء الطابع المؤسسي على القيم، فالقيم لا تعيش في الفراغ، بل تحتاج إلى قوانين عادلة تطبق على الجميع، وقضاء مستقل  يخاف منه الظالم، وأنظمة شفافة لا تترك مجالاً للفساد أو المحسوبية، وآليات محاسبة رادعة.

ثالثًا: تفعيل المسؤولية الفردية بإدراك أن كل إنسان جزء من الحل، وذلك بالصدق في العمل والأمانة في المعاملة، ورفض الفساد ولو كان صغيرًا، وإدراك أن الإتقان عبادة، والغش خيانة لله قبل خيانة الناس. قال ﷺ: “أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ” [رواه أبو داود والترمذي].

الخلاصة: جرس إنذار وجودي

ليس العيب في النص، بل فينا نحن. القرآن واضح، والسنة واضحة، والقيم واضحة. لكن “المسلمون” هم من ابتعدوا عن هذه القيم، وليس “الإسلام” هو الذي تخلف عن العصر.

العالم الغربي أثبت أن هذه القيم التي نادينا بها  الأمانة، الإتقان، العدالة، الشفافية — قابلة للتنفيذ، بل وهي ناجحة في تحقيق الازدهار. لكن السؤال المُرّ: متى ندرك نحن أن هذه القيم هي من ديننا، ونطبقها كما طبقوها؟

يبقى التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة اليوم: هل نستطيع نحن أن نعيد اكتشاف ما نملك؟ وأن نُحوِّل الخطاب القرآني من نص يُتلى إلى نظام يُعاش؟ وأن نكون حقًا “خير أمة أخرجت للناس” بالأخلاق والمؤسسات، لا بالشعارات والدعاوى؟

إن نداء “يا أيها الإنسان” هو جرس إنذار وجودي. لن يتحقق المراد الرباني ما لم تتحول “الآيات” إلى “واقع معيش”، وما لم يدرك المسلم أن بناء الأرض وعمارتها هو الطريق الوحيد لإثبات صدق الانتماء لهذا الخطاب العظيم.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى