د. حسين العالم يكتب الغربال + ربوبية الله والمشترك الإنساني.. نحو مشروع وطني للتغيير والنهضة
متابعات مرآة-السودان ربوبية الله والمشترك الإنساني.. نحو مشروع وطني للتغيير والنهضة
ربوبية الله والمشترك الإنساني.. نحو مشروع وطني للتغيير والنهضة
في خضم الأزمات العميقة التي يعيشها السودان، تتزايد الدعوات للبحث عن مشروع وطني جديد يخرج البلاد من دائرة الحرب والانقسام والاستقطاب السياسي الحاد. ومن أبرز هذه الدعوات ما طرحه المفكر السوداني التجاني عبد القادر حامد حول “الحركة الوطنية للتغيير”، باعتبار أن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع على السلطة، وإنما أزمة غياب للرؤية الوطنية الجامعة، وانهيار للمشروع الأخلاقي والفكري الذي يوحد الناس حول قضايا البناء والتنمية والعدالة.
غير أن أي مشروع للتغيير لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على المعالجات السياسية وحدها، لأن جذور الأزمة أعمق من تنافس الأحزاب والجماعات؛ فهي أزمة إنسان فقد بوصلته الأخلاقية والروحية، وانقطع عن القيم التي تضبط علاقته بالله وبالناس وبالوطن. ولذلك فإن التغيير الحقيقي يبدأ من إعادة بناء الإنسان، قبل إعادة بناء السلطة أو مؤسسات الدولة.
أولاً: ربوبية الله.. الأساس الذي تنتظم به الحياة
إن الحقيقة الكبرى التي لا يستطيع الإنسان الفكاك منها هي أن هذا الكون قائم على نظام إلهي محكم، وأن الله سبحانه وتعالى ليس خالق الكون فحسب، بل هو المدبر والموجه والهادي.
قال تعالى:
“ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين”
(سورة الأعراف، الآية 54).
فالآية تؤكد أن الخلق والأمر مرتبطان معاً؛ أي أن من خلق الإنسان هو الأعلم بما يصلحه، وأن أي مشروع حضاري لا يستند إلى سنن الله في العدالة والرحمة والحق مصيره الفشل مهما امتلك من شعارات براقة.
كما يقرر القرآن أن الفطرة الإنسانية نفسها تشهد بهذه الحقيقة، حتى عند من يحاول إنكارها:
“ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله”
(سورة لقمان، الآية 25).
ومن هنا فإن التغيير المنشود لا ينبغي أن يكون مجرد إعادة تدوير للنخب أو استبدال جماعة بأخرى، وإنما عودة إلى المعنى الأخلاقي للاستخلاف الإنساني، حيث يكون الإنسان مسؤولاً عن إعمار الأرض بالعدل والسلام لا بالصراع والفساد.
ثانياً: فقه الدوائر الثلاث.. مدخل بناء المجتمع
إن أي حركة إصلاح حقيقية تحتاج إلى رؤية تتجاوز العصبيات الضيقة، وتنطلق من دوائر متكاملة تحفظ وحدة المجتمع وتمنع الانقسام.
1. دائرة المشتركات الإنسانية
وهي الدائرة الأوسع التي تجمع البشر جميعاً، مهما اختلفت أديانهم وثقافاتهم وأعراقهم. فالأصل في العلاقة الإنسانية هو الكرامة والتعارف والتعاون.
قال تعالى:
“ولقد كرمنا بني آدم”
(سورة الإسراء، الآية 70).
وقال سبحانه:
“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”
(سورة الحجرات، الآية 13).
فهذه الآيات تؤسس لمفهوم إنساني عظيم، يقوم على احترام الإنسان لكونه إنساناً، لا لعرقه أو قبيلته أو انتمائه السياسي. ولذلك فإن أي مشروع وطني للتغيير ينبغي أن يكون مفتوحاً لكل من يؤمن بالعدل والسلام وكرامة الإنسان، بعيداً عن الإقصاءوالتخوين.
2. دائرة الإسلام بمعناه القيمي والحضاري
الإسلام ليس مجرد هوية سياسية أو شعارات حزبية، وإنما منظومة قيم أخلاقية تدعو إلى العدل والإحسان والتكافل وإعمار الأرض.
قال تعالى:
“إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي”
(سورة النحل، الآية 90).
فهذه الآية تختصر جوهر المشروع الحضاري الإسلامي؛ إذ لا نهضة بلا عدل، ولا استقرار بلا رحمة وإحسان.
كما أن جوهر الإسلام في التعامل مع الناس قائم على السلم والأمان، لا على العنف والكراهية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”
(رواه أحمد والنسائي).
وعليه فإن جماعة التغيير المطلوبة ليست جماعة احتكار للسلطة، بل تحالف أخلاقي واسع يعمل من أجل:
وقف الحروب والنزاعات.
بناء دولة القانون والعدالة.
مكافحة الفساد والاستبداد.
إصلاح التعليم والاقتصاد.
إعادة بناء مؤسسات الدولة.
حماية كرامة الإنسان السوداني.
وهذا المعنى يلتقي مع رؤية التجاني عبد القادر حامد في ضرورة تجاوز الاستقطاب والانفتاح على الحوار الوطني الشامل.
3. دائرة الإيمان.. مطابقة القول للعمل
الأزمة الكبرى في واقعنا ليست أزمة شعارات، بل أزمة صدق ومصداقية. فكثير من المشاريع رفعت رايات الدين أو الوطنية، لكنها فشلت لأنها لم تُترجم القيم إلى سلوك عملي.
قال تعالى:
“يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”
(سورة الصف، الآيتان 2 ـ 3).
فالإيمان الحقيقي ليس ادعاءً لفظياً، وإنما التزام أخلاقي يظهر في العدل والأمانة وخدمة الناس.
ولذلك فإن نجاح أي مشروع تغييري مرتبط بوجود نماذج بشرية صادقة تحمل القيم في واقعها اليومي، لأن الناس تتأثر بالأفعال أكثر من الأقوال.
ثالثاً: كيف يتحول المشروع إلى واقع عملي؟
إن تحويل هذه الرؤية إلى مشروع نهضوي حقيقي يتطلب خطوات عملية واضحة، من أهمها:
بناء ميثاق وطني أخلاقي يقوم على الحرية والعدالة وكرامة الإنسان.
إطلاق منصات حوار وطني تجمع الإسلاميين واليساريين والمستقلين وأصحاب المبادرات المجتمعية بعيداً عن التخوين والإقصاء.
توجيه الجهود نحو قضايا الناس الحقيقية مثل التعليم والصحة والتنمية ومحاربة الفقر.
إعداد قيادات جديدة تُربى على خدمة المجتمع لا على عبادة السلطة.
إصلاح الخطاب الديني والسياسي ليصبح خطاب بناء ورحمة لا خطاب صراع وكراهية.
تعزيز ثقافة العمل التطوعي والإصلاح المجتمعي باعتبارها أساساً لبناء الثقة بين الناس.
تفكيك العصبيات القبلية والحزبية لصالح مفهوم المواطنة والعدالة المتساوية.
نحو نهضة سودانية جديدة
إن العالم اليوم يعيش أزمة أخلاقية وروحية عميقة رغم التقدم المادي الهائل، ولذلك فإن السودان لا يحتاج فقط إلى تغيير الحكومات، بل إلى إعادة تأسيس المشروع الوطني على قاعدة أخلاقية وإنسانية وروحية متينة.
فالنهضة الحقيقية تبدأ عندما يلتقي:
الإيمان بربوبية الله،
مع المشترك الإنساني،
مع القيم الأخلاقية،
مع العمل الوطني الصادق.
وعندما تتشكل جماعات التغيير على هذا الأساس، فإنها تستطيع أن تخرج المجتمعات من دوائر الحرب والانقسام، وأن تؤسس لمشروع حضاري جديد يعيد للإنسان كرامته، وللوطن وحدته، وللسياسة معناها الأخلاقي النبيل.









