
صلاح قوش.. رجل الظل الذي عبر تقلبات السلطة في السودان
متابعات – مرآة السودان -السبت 2 مايو 2026
في سجل السودان الحديث، تبرز شخصية صلاح عبد الله محمد صالح، المعروف بـ“صلاح قوش”، كواحدة من أكثر الشخصيات الأمنية إثارة للجدل. رجل تحرّك بين مراكز النفوذ والظل، صعد إلى قلب السلطة ثم تراجع، قبل أن يعود مجدداً في مشهد يعكس طبيعة نظام تتبدل فيه المواقع أكثر مما تتغير الأدوار.
لم يكن قوش مجرد مسؤول أمني عابر، بل جسّد نموذجاً لما يُعرف بـ“الدولة العميقة”، حيث تتداخل السلطة مع الأجهزة، وتتحول المعلومات إلى أداة تأثير، لا مجرد وسيلة حماية.
من الهندسة إلى دهاليز الأمن
وُلد قوش في شمال السودان، ودرس الهندسة، قبل أن يلتحق بجهاز الأمن والمخابرات خلال تسعينيات القرن الماضي، في فترة صعود نظام الرئيس المعزول عمر البشير وتحالفه مع الحركة الإسلامية. آنذاك، كان الجهاز الأمني أحد أعمدة الحكم، ما أتاح لقوش فرصة الصعود السريع بفضل قدراته التنظيمية وصلاته بمراكز القرار.
ذروة النفوذ.. مهندس الأمن
بلغ قوش قمة نفوذه منتصف الألفية، عندما تولى رئاسة جهاز الأمن والمخابرات، ليصبح من أبرز رجال النظام. لعب دوراً محورياً في ملفات معقدة، من مكافحة التمرد إلى إدارة العلاقات الاستخباراتية مع قوى إقليمية ودولية، خاصة في سياق “الحرب على الإرهاب”. هذه العلاقات منحت الخرطوم هامش حركة رغم عزلتها، لكنها رافقت أيضاً اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان وتشديد القبضة الأمنية.
صراعات الداخل.. سقوط مفاجئ
لم يكن نفوذ قوش مستقراً، إذ اصطدم بصراعات داخلية بين مراكز القوى، خاصة داخل المنظومة الحاكمة. في 2009 أُقيل من منصبه، ثم واجه اتهامات بمحاولة انقلاب، قبل أن يُفرج عنه لاحقاً، في واحدة من أكثر محطات مسيرته غموضاً، التي عكست طبيعة التحالفات المتقلبة داخل النظام.
عودة قصيرة قبل العاصفة
في 2018، عاد قوش إلى واجهة المشهد بتعيينه مديراً لجهاز الأمن، في وقت كانت البلاد تغلي بالاحتجاجات. لكن هذه العودة لم تستمر طويلاً، إذ أطاحت الانتفاضة الشعبية بنظام البشير في 2019، ليغادر قوش المشهد مجدداً مع سقوط النظام.
ما بعد 2019.. الغموض مستمر
منذ ذلك الحين، بقيت تحركاته محاطة بالغموض. ورغم غيابه العلني، يظل اسمه حاضراً في سياقات تتعلق بشبكات النفوذ القديمة. وفي تطور لافت، أُدرج ضمن قائمة متهمين في قضية أعلنتها النيابة العامة في دولة الإمارات، تتعلق باتهامات بالاتجار غير المشروع في العتاد العسكري وغسل الأموال، في ملف مرتبط بمحاولة تهريب أسلحة.
شبكة علاقات معقدة
تميّز قوش بقدرته على بناء علاقات متشابكة داخلياً وخارجياً، حيث تعامل مع أطراف متناقضة، من حركات مسلحة إلى أجهزة استخبارات دولية. هذه القدرة جعلته، بالنسبة للبعض، رجل المهام الصعبة، بينما يراه آخرون رمزاً لمرحلة سيطرت فيها الأجهزة الأمنية على السياسة.
بين الجدل والتأثير
يبقى تقييم صلاح قوش محل انقسام. فبين من يراه رجل دولة خدم مؤسسات الأمن، ومن يعتبره أحد مهندسي القبضة الأمنية التي أضعفت الحياة السياسية، يظل تأثيره حاضراً في قراءة تاريخ السودان الحديث.
في النهاية، تمثل سيرة قوش انعكاساً لتعقيدات المشهد السوداني، حيث تتشابك السياسة بالأمن، وتبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة البلاد على تجاوز إرث الماضي وبناء دولة تتوازن فيها السلطة مع الحرية.








