مقالات

د. حسين العالم يكتب الغربال+استبدال العملة يصل الخرطوم.. بداية الحل أم تعقيد للأزمة

متابعات مرآةـالسودان استبدال العملة يصل الخرطوم.. بداية الحل أم تعقيد للأزمة

استبدال العملة يصل الخرطوم.. بداية الحل أم تعقيد للأزمة

في ظل حرب مستمرة وانقسام جغرافي معقّد، تمضي السلطات السودانية في تنفيذ واحدة من أكثر أدوات السياسة النقدية حساسية، وهي استبدال العملة الوطنية. العملية التي بدأت في المناطق الآمنة، وامتدت مؤخراً إلى ولاية الخرطوم، تطرح تساؤلات جوهرية حول جدواها الاقتصادية، وقدرتها على تحقيق الاستقرار النقدي في بيئة غير مستقرة.

استبدال العملة.. بين الاقتصاد والأمن لا يُقرأ قرار استبدال العملة في السودان كإجراء نقدي تقليدي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليعكس محاولة مزدوجة لاستعادة السيطرة على الكتلة النقدية، وتجفيف منابع التمويل خارج الإطار الرسمي. ففي الظروف الطبيعية، تلجأ الدول إلى تغيير العملة للحد من التضخم، ومكافحة التزييف، وتعزيز الثقة في النظام المصرفي، لكن في الحالة السودانية، يبرز البعد الأمني كعامل حاسم، في ظل اقتصاد منقسم ومناطق خارجة عن السيطرة.

تنفيذ تدريجي.. واقعية الضرورة فرضت الحرب واقعاً يجعل من الاستبدال الشامل أمراً بالغ الصعوبة، ما دفع السلطات إلى اعتماد نهج تدريجي يبدأ بالمناطق الآمنة. هذا النهج، رغم ابتعاده عن النموذج المثالي، يتيح اختبار جاهزية القطاع المصرفي، ويحد من الفوضى النقدية، كما يمنح مؤشرات أولية عن استجابة الأسواق، ويعيد قدراً من الثقة في المناطق التي تشهد استقراراً نسبياً.

تحديات خطيرة تهدد العملية غير أن هذا التنفيذ المتقطع يفتح الباب أمام جملة من المخاطر، أبرزها ظهور ما يشبه “ازدواج العملة”، حيث تتداول أوراق نقدية مختلفة في مناطق متباينة، ما يؤدي إلى تشوهات سعرية واضحة. كما يساهم في تنشيط السوق السوداء، وخلق فرص للمضاربة بين العملتين، فضلاً عن تعميق الانقسام الاقتصادي بين مناطق البلاد.

وتتزايد المخاوف من تآكل الثقة لدى المواطنين في المناطق غير المشمولة بالاستبدال، خاصة إذا شعروا بأن مدخراتهم مهددة أو أقل قيمة، في وقت تعجز فيه السلطات عن فرض سيطرة كاملة على الكتلة النقدية.

شروط النجاح.. أكثر من مجرد تغيير نقدي يرى خبراء أن نجاح هذه الخطوة يتوقف على جملة من العوامل، في مقدمتها وضع إطار زمني واضح لاستكمال الاستبدال، وربط العملية بالجهاز المصرفي للحد من تداول النقد خارج البنوك. كما يبرز التحول نحو الدفع الإلكتروني كأداة مهمة لتجاوز القيود الجغرافية، إلى جانب ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق للحد من المضاربات.

ولا يقل أهمية عن ذلك التنسيق بين السياسة النقدية والمالية، إذ أن استمرار عجز الموازنة أو التوسع في طباعة النقود قد يفرغ العملية من مضمونها، ويقوض أهدافها في كبح التضخم.

تأثيرات متفاوتة على الاقتصاد على المدى القصير، من المتوقع أن تشهد الأسواق حالة من الاضطراب، وارتفاعاً في الأسعار، بالتوازي مع نشاط ملحوظ في السوق الموازية. أما على المدى المتوسط، فقد تسهم العملية في تحسين السيطرة على السيولة إذا أُديرت بكفاءة، أو تدفع نحو مزيد من التدهور في حال غياب الانضباط.

وفي الأفق البعيد، تبقى النتائج رهينة بمآلات الحرب نفسها، ومدى قدرة الدولة على إعادة توحيد الاقتصاد واستعادة الثقة في مؤسساتها المالية.

خاتمة: في المحصلة، يمثل استبدال العملة في السودان حلاً اضطرارياً في سياق استثنائي، لا يمكن الحكم عليه بمعزل عن تعقيدات الواقع السياسي والأمني. وبين فرص النجاح ومخاطر التعثر، تبقى الثقة والاستقرار هما العاملان الحاسمان في تحديد ما إذا كانت هذه الخطوة ستقود إلى إصلاح اقتصادي، أم إلى تعميق الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى