مقالات

د. حسين العالم يكتب :الغربال + المصباح أبوزيد يقول ما لا يُقال.. من أين يبدأ الخروج من المأزق

متابعات مرآة- السودان

المصباح أبوزيد يقول ما لا يُقال.. من أين يبدأ الخروج من المأزق؟

أعاد حديث المصباح أبوزيد، قائد كتيبة البراء بن مالك، حول تجربة طلاب حزب المؤتمر الوطني قبل ثورة ديسمبر 2018، فتح ملف يتجاوز حدود التجربة الحزبية نفسها؛ ملف الولاء السياسي وطريقة تفكير الأجيال التي انخرطت في العمل العام في السودان.

أهمية حديث أبوزيد لا تكمن فقط في انتقاده لطلاب الحزب الحاكم سابقاً، وإنما في الفكرة التي طرحها بوضوح: أن يتعلم الشباب فهم الفكرة قبل تبنيها، وأن يكون صاحب الموقف شريكاً في صناعة الفكرة لا مجرد ناقل لموقف قيادته.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أزمات السياسة السودانية.

من الاقتناع إلى الطاعة

على مدى عقود، لم تكن المشكلة دائماً في تعدد الأحزاب والتيارات، فالتعدد السياسي في حد ذاته ظاهرة صحية، وإنما في أن يتحول الانتماء السياسي لدى بعض الأفراد إلى ولاء مغلق يجعل موقف الحزب مقدماً على التفكير الشخصي، ويجعل نقد القيادة نوعاً من الخروج على الجماعة.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح السؤال ليس: هل هذا الموقف صحيح؟ وإنما: ماذا قالت القيادة؟

وهنا يفقد العمل السياسي أهم وظائفه؛ وهي إنتاج الأفكار، ومناقشة السياسات، وتصحيح الأخطاء، ومراقبة أصحاب القرار.

ولعل تجربة طلاب المؤتمر الوطني التي أشار إليها أبوزيد تقدم مثالاً واضحاً على هذه المعضلة؛ فعندما يتبنى الطالب داخل الجامعة سياسات الحكومة حتى في القضايا التي تمس مصالح الطلاب مباشرة، فإنه يضع الانتماء التنظيمي في مواجهة البيئة التي يفترض أن يمثلها.

لكن المشكلة لا ينبغي أن تُختزل في حزب بعينه.

فالسؤال الأهم هو: هل تغيرت هذه العقلية بعد سقوط النظام السابق؟

الإجابة التي يقدمها الواقع السوداني تبدو مقلقة.

الولاء قبل الوطن

ما زالت قطاعات من المشهد السياسي السوداني تعاني من عقلية “نحن نملك الحقيقة”، حيث ينظر كل تيار إلى الآخر باعتباره خصماً لا شريكاً، ويصبح الاعتراف بخطأ الموقف السياسي أمراً بالغ الصعوبة.

وقد تتغير أسماء الأحزاب والشعارات، لكن تبقى المشكلة نفسها: العقل السياسي الذي لا يستطيع مراجعة نفسه.

وهذا النوع من الولاء لا يصنع استقراراً.

فالسياسة بطبيعتها تقوم على الاختلاف والحوار والمراجعة والتسويات، بينما الطاعة العمياء تنتج الاستقطاب، والاستقطاب ينتج الإقصاء، والإقصاء يفتح الطريق أمام الأزمات المتكررة.

ولهذا ظل السودان، في كثير من محطاته، ينتقل من أزمة إلى أخرى دون أن ينجح في بناء قاعدة سياسية مستقرة تقوم على قبول الآخر واحترام حقه في الاختلاف.

الشاب ليس نسخة من قائده

النقطة الأكثر أهمية في حديث أبوزيد هي دعوته الشباب إلى المبادرة وعدم انتظار التعليمات.

فالسياسي الشاب الذي لا يستطيع أن يسأل قيادته: لماذا؟، ولا يستطيع أن يقول لها: أخطأتم، ولا يملك القدرة على تطوير موقف مستقل، لن يكون قادراً على بناء دولة مختلفة.

الشباب لا يحتاجون إلى أن يكونوا نسخاً جديدة من قيادات الماضي؛ بل يحتاجون إلى أن يكونوا أكثر قدرة على التعلم من أخطاء الماضي.

والمطلوب ليس أن يرفض الشاب كل ما تقوله قيادته لمجرد الرفض، كما لا ينبغي أن يقبل كل ما تقوله لمجرد الانتماء.

المطلوب هو العقل النقدي.

أن يسمع الفكرة، ويفهمها، ويفحص نتائجها، ثم يتخذ موقفه بناءً على قناعة، ويتحمل مسؤولية هذا الموقف.

الحرب كشفت عمق الأزمة

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، ظهرت أسئلة كثيرة حول مواقف الشباب الذين اختاروا التطوع والدفاع عن وطنهم، وهي أسئلة تكشف في جانب منها عن أزمة أعمق تتعلق بنظرتنا إلى الشباب ودورهم في المجتمع.

فهل نريد من الشباب أن ينتظروا دائماً من يصدر لهم التعليمات؟

أم نريد جيلاً يستطيع أن يقرأ الواقع، ويحدد مصلحته الوطنية، ويتخذ قراره وفق قناعة ومسؤولية؟

الفرق بين الخيارين كبير.

فالدولة الحديثة لا تُبنى فقط بالموظف الذي ينفذ التعليمات، وإنما بالمواطن الذي يفهم لماذا يفعل، وبالسياسي الذي يدرك أن الموقف السياسي ليس نصاً مقدساً لا يجوز مراجعته.

كيف نخرج من دائرة الولاء الأعمى؟

الخروج من هذا المأزق يحتاج إلى تغيير حقيقي في الثقافة السياسية، وليس مجرد تغيير في أسماء الأحزاب.

أولاً: إعادة الاعتبار للتفكير النقدي داخل التنظيمات السياسية، بحيث يصبح من حق العضو مناقشة قيادة حزبه وانتقاد قراراتها دون أن يتحول ذلك إلى تهمة بالخيانة.

ثانياً: الفصل بين الولاء للوطن والولاء للحزب. فالحزب وسيلة للعمل السياسي، أما الوطن فهو الإطار الأوسع الذي يجتمع فيه الجميع.

ثالثاً: إدخال مفاهيم الحوار وقبول الآخر في التعليم والجامعات، لأن بناء الديمقراطية لا يبدأ يوم الانتخابات، وإنما يبدأ من طريقة تفكير المواطن.

رابعاً: تشجيع الشباب على المبادرة وصناعة الأفكار، بدلاً من تحويلهم إلى أدوات للتعبئة السياسية والمهرجانات والهتافات.

خامساً: الاعتراف بالخطأ باعتباره فضيلة سياسية لا هزيمة. فالقائد الذي يراجع موقفه عندما يكتشف خطأه أكثر قوة من الذي يتمسك بموقف خاطئ حتى النهاية.

سادساً: الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة البرامج؛ فالمواطن ينبغي أن يسأل الحزب: ماذا ستفعل؟ وكيف؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ وما نتائج سياساتك؟ بدلاً من الاكتفاء بسؤال: من زعيمك؟

مربط الفرس

ربما تكون أهم عبارة في حديث المصباح أبوزيد هي الدعوة إلى فهم الفكرة قبل تبنيها.

فهذه ليست مسألة تخص طلاب المؤتمر الوطني وحدهم، ولا تخص حزباً أو تياراً سياسياً بعينه، وإنما هي قضية سودانية عامة.

إذا ظل السوداني ينتمي إلى الحزب قبل أن يفهم فكرته، ويدافع عن القائد قبل أن يناقش قراره، ويرفض الآخر قبل أن يسمعه، فسوف تستمر الدائرة نفسها، مهما تغيرت الحكومات والقيادات والشعارات.

أما إذا تعلمنا أن نختلف دون أن نتخون، وأن ننتقد دون أن نعادي، وأن نراجع مواقفنا دون أن نشعر بالهزيمة، وأن نقدم الوطن على التنظيم، والعقل على الولاء، والفكرة على الشخص، فقد نكون بدأنا بالفعل في معالجة أحد جذور الأزمة السودانية.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى تغيير سياسي؛ بل يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير السياسي.

وربما تكون الخطوة الأولى بسيطة في شكلها، لكنها عميقة في معناها:

لا تسأل أولاً: من قال؟

اسأل: ماذا قال؟ ولماذا قاله؟ وهل هو صحيح؟

فحين يبدأ العقل في طرح الأسئلة، يبدأ الولاء الأعمى في التراجع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى