
الحوار السوداني.. البداية المربكة
في ظل حرب أنهكت السودان منذ أبريل 2023، تبدو أي مبادرة تهدف إلى جمع السودانيين حول طاولة واحدة خطوة تستحق الاهتمام، خصوصاً في ظل تعثر المسارات السياسية وتعدد المبادرات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق برزت لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني، التي أعلنت عن نفسها باعتبارها لجنة وطنية مستقلة، تضم شخصيات أكاديمية وقانونية وفكرية وإعلامية من داخل السودان وخارجه، وتقول إن مهمتها الأساسية هي تهيئة المناخ وفتح الطريق أمام حوار سوداني شامل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: ماذا تريد اللجنة أن تفعل؟ وإنما أيضاً: كيف بدأت؟ وهل تكفي صفة الاستقلال التي أعلنتها لتأكيد حيادها؟
لجنة مستقلة.. ولكن
تقول اللجنة إنها لم تُنشأ بقرار حكومي، وإنما جاءت بمبادرة من مجموعة من الشخصيات الوطنية، وهو أمر يمنحها من حيث المبدأ مساحة من الاستقلال عن مؤسسات الدولة والقوى السياسية.
غير أن حصولها لاحقاً على تسهيلات وضمانات من الدولة، وإن كان يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً ضرورياً لتأمين عملها وتمكين المشاركين من الوصول إلى السودان، يضعها في الوقت نفسه أمام اختبار أكبر يتعلق بصورة الحياد.
فالمشكلة هنا ليست بالضرورة في قبول التسهيلات الحكومية، وإنما في توقيت التواصل مع الأطراف السودانية المختلفة.
كان من الأفضل، من الناحية السياسية، أن تسبق إعلان اللجنة عن نفسها اتصالات واسعة مع جميع الأطراف المعنية بالحوار، بما فيها القوى السياسية والمدنية، والحركات المسلحة، والقوى الاجتماعية والأهلية، وأطراف الحرب، والشخصيات الوطنية المستقلة، بهدف اختبار مدى استعدادها للتعامل مع المبادرة.
وبعد التأكد من وجود حد أدنى من القبول، كان يمكن الإعلان عن اللجنة بوصفها ثمرة توافق أولي، لا مجرد مبادرة أعلنت نفسها ثم بدأت لاحقاً في البحث عن قبول الآخرين.
وهذا التفصيل قد يبدو إجرائياً، لكنه مهم للغاية؛ لأن الثقة هي رأس مال أي حوار سياسي، وإذا اهتزت الثقة في الجهة التي تهيئ للحوار، يصبح من الصعب إقناع الأطراف المتنازعة بأن مخرجات الحوار ستكون محايدة.
من هم أعضاء اللجنة؟
تضم اللجنة شخصيات من خلفيات أكاديمية وقانونية وفكرية وإعلامية، من بينها البروفيسور قاسم بدري رئيساً، إلى جانب أسماء معروفة مثل نبيل أديب، عثمان ميرغني، عبد الله آدم خاطر، د. محمد المنير صفي الدين، د. محمد جلال هاشم، د. الواثق كمير، عبد العزيز بركة ساكن، د. شريف حرير وآخرين.
ويُفترض أن يكون هذا التنوع أحد عناصر قوة اللجنة، لأنه يجمع بين الخبرة الأكاديمية والقانونية والفكرية والإعلامية.
لكن التنوع في الأسماء لا يعني بالضرورة اكتمال التوازن السياسي.
فالسؤال الأهم هو: هل تمثل اللجنة جميع التيارات المؤثرة في الأزمة السودانية؟ وهل يشعر كل طرف بأنه ممثل فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ أم أن بعض الأطراف ترى أنها أمام مبادرة نشأت في بيئة سياسية وجغرافية محددة؟
وهنا تكمن إحدى أكبر التحديات التي تواجه اللجنة.
الانسحابات.. مجرد ظروف شخصية أم مؤشر؟
من الأمور التي تستحق التوقف عندها أيضاً اعتذار بعض الشخصيات أو انسحابها من المشاركة.
فحتى عندما يكون الاعتذار لأسباب شخصية أو مهنية، فإن الانسحاب من لجنة تحمل مشروعاً وطنياً بهذا الحجم يثير بالضرورة تساؤلات حول طبيعة النقاشات التي سبقت الإعلان، وما إذا كانت هناك رؤى أو تصورات لم تجد طريقها إلى التوافق داخل اللجنة.
ولا ينبغي التعامل مع الانسحابات باعتبارها دليلاً تلقائياً على وجود خلافات داخلية، كما لا ينبغي تجاهلها تماماً.
الأفضل أن تتعامل اللجنة مع الأمر بشفافية، وأن توضح للرأي العام ـ بالقدر المناسب ـ طبيعة الأسباب التي أدت إلى اعتذار بعض أعضائها، وما إذا كانت هناك خلافات حول منهج الحوار أو تكوين اللجنة أو صلاحياتها.
فالشفافية في هذه المرحلة يمكن أن تكون وسيلة لاستعادة الثقة، بدلاً من ترك المجال للتفسيرات والشائعات.
ماذا تريد اللجنة أن تفعل؟
المهمة المعلنة للجنة تبدو تحضيرية أكثر منها سياسية؛ فهي لا تقول إنها ستضع الحل النهائي للأزمة، وإنما تسعى إلى تهيئة المناخ للحوار، والتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية والأهلية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية الصديقة، والاتفاق على قواعد وأجندة الحوار.
وهذه مهمة مهمة، لكنها في الوقت ذاته شديدة الحساسية.
فاللجنة ليست حكومة، وليست طرفاً عسكرياً، ولا تستطيع بمفردها وقف الحرب.
لذلك فإن نجاحها لا يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بعدد الشخصيات التي تجلس حول الطاولة، وإنما بقدرتها على تحويل الحوار من نشاط سياسي إلى مسار يؤدي فعلياً إلى وقف الحرب ومعالجة جذور الأزمة.
فإذا كان الحوار سينتهي ببيانات ومؤتمرات وتوصيات، بينما تستمر العمليات العسكرية والنزوح والانهيار الاقتصادي، فإن المواطن السوداني قد ينظر إليه باعتباره حواراً بعيداً عن واقعه.
حوار لا يقود إلى إنهاء الحرب هو في النهاية حوار طرشان.
لماذا تحفظت بعض القوى السياسية؟
المواقف السياسية من اللجنة ليست موحدة.
فهناك قوى رحبت بالمبادرة أو أبدت استعداداً للتعامل معها، في مقابل قوى أخرى تحفظت عليها أو أعلنت رفض المشاركة فيها، مستندة إلى مخاوف تتعلق بمدى استقلال اللجنة، وبالظروف التي نشأت فيها، وبالمكان الذي انطلقت منه، وبعلاقتها بالتسهيلات التي قدمتها الدولة.
ومن الخطأ التعامل مع هذه المواقف بمنطق أن المؤيدين وطنيون والرافضين ضد الحوار، أو العكس.
فالخلاف الحقيقي ينبغي أن يكون حول شروط الحوار وضماناته ومخرجاته، لا حول مبدأ الحوار نفسه.
ومن حق أي طرف أن يسأل: من يدير الحوار؟ من يحدد أجندته؟ من يختار المشاركين؟ ما الضمانات؟ وما الذي سيحدث إذا رفض أحد الأطراف مخرجاته؟
وهذه الأسئلة لا ينبغي أن تُقابل بالاتهام، وإنما بالإجابات الواضحة.
كيف يمكن إنقاذ المبادرة؟
إذا أرادت اللجنة أن تتجاوز تعثر بدايتها، فإن أمامها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها قبل الدخول في المرحلة الأصعب.
أولاً: إعادة فتح باب المشاورات
ينبغي للجنة أن تعلن مرحلة جديدة من المشاورات مع جميع الأطراف دون استثناء، بما فيها الجهات التي أعلنت رفضها أو تحفظها.
فالطرف الذي يرفض المشاركة اليوم قد يصبح طرفاً أساسياً غداً، ولا يجوز إغلاق الباب أمامه.
ثانياً: تشكيل لجنة استشارية موسعة
يمكن إنشاء مجلس استشاري مستقل يضم ممثلين أو شخصيات مقبولة من مختلف الاتجاهات السياسية والمجتمعية والأهلية، تكون مهمته مراجعة منهج الحوار وضمان اتساع قاعدة المشاركة.
وهذا من شأنه أن يقلل المخاوف المتعلقة بالانحياز أو الاحتكار.
ثالثاً: الاتفاق أولاً على قواعد اللعبة
قبل الحديث عن المخرجات، ينبغي الاتفاق على قواعد واضحة، أهمها:
استقلال إدارة الحوار.
عدم فرض أجندة مسبقة.
المساواة بين المشاركين.
عدم إقصاء أي طرف مؤثر في الأزمة.
الشفافية في اختيار المشاركين.
الاتفاق على آلية لاتخاذ القرارات.
تحديد دور الوسطاء الإقليميين والدوليين بوضوح.
رابعاً: جعل وقف الحرب الهدف الأول
ينبغي ألا يبدأ الحوار من سؤال: من يحكم السودان؟
بل من سؤال أكثر إلحاحاً:
كيف تتوقف الحرب؟
ثم تأتي قضايا الترتيبات الأمنية، والعدالة، وإعادة بناء الدولة، والانتقال السياسي، والانتخابات، والإصلاح الاقتصادي، وغيرها.
خامساً: الفصل بين الحوار السياسي والحوار المجتمعي
الأزمة السودانية ليست سياسية فقط.
هناك أزمة اجتماعية وأهلية وإنسانية عميقة، ولذلك يمكن أن يكون من المفيد إنشاء مسارين متوازيين: مسار سياسي يناقش مستقبل الدولة والسلطة، ومسار مجتمعي يركز على المصالحات ورتق النسيج الاجتماعي ومعالجة آثار الحرب.
سادساً: نشر وثيقة تأسيسية واضحة
من المهم أن تنشر اللجنة وثيقة مختصرة تجيب بوضوح عن خمسة أسئلة:
من نحن؟ لماذا تأسسنا؟ من نمثل؟ ماذا نريد؟ وكيف سنصل إلى الهدف؟
هذه الوثيقة ستساعد على إنهاء كثير من الجدل حول طبيعة اللجنة ومهمتها.
وماذا عن مستقبل اللجنة؟
مستقبل لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني لن يتحدد بعدد الأسماء الموجودة فيها، وإنما بقدرتها على بناء جسر بين المتخاصمين.
وإذا استطاعت أن تعيد النظر في طريقة انطلاقتها، وتوسع دائرة التشاور، وتستوعب منتقديها، وتؤكد استقلالها عملياً لا بالتصريحات فقط، فقد تتحول من مبادرة تواجه الشكوك إلى منصة وطنية يمكن البناء عليها.
أما إذا اكتفت بالتواصل مع القوى المتفقة معها، ومضت في تنظيم حوار يشارك فيه طرف ويغيب عنه طرف آخر، فإنها ستواجه خطر فقدان أهم عناصر نجاح أي حوار: الشرعية التوافقية.
والسودان اليوم لا يحتاج إلى حوار جديد يضاف إلى قائمة الحوارات السابقة، بقدر ما يحتاج إلى حوار قادر على الوصول إلى نتيجة.
فالغاية ليست أن يجلس السودانيون حول طاولة واحدة لالتقاط الصور، وإنما أن يجدوا على تلك الطاولة طريقاً للخروج من الحرب.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للجنة:
هل تستطيع أن تجمع المختلفين، أم أنها ستصبح واحدة من حلقات الانقسام؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة.










