مقالات

د.حسين العالم يكتب :الغربال +.. بين حق الدولة وحق المواطن… هل آن الأوان لمراجعة شرط وثيقة السفر الاضطرارية؟

متابعات مرآة-السودان

بين حق الدولة وحق المواطن… هل آن الأوان لمراجعة شرط وثيقة السفر الاضطرارية؟

ليس من حق أحد أن يجادل في حق الدولة في التحقق من هوية مواطنيها، ولا في مسؤوليتها عن تنظيم دخولهم عبر منافذها الرسمية. لكن في المقابل، يظل من حق المواطن أن يتساءل عندما تتحول الإجراءات الإدارية إلى عبء يضاعف معاناته، خاصة إذا كان لاجئاً أجبرته الحرب على مغادرة وطنه.

اليوم يقف آلاف السودانيين في مصر أمام رغبة صادقة في العودة إلى بلادهم، بعد شهور وسنوات من النزوح القسري. كثير منهم فقدوا منازلهم، ومدخراتهم، ووظائفهم، وحتى وثائقهم الرسمية. ومع ذلك لم يفقدوا انتماءهم لوطنهم، ولا رغبتهم في العودة للمساهمة في إعادة بنائه.

ومن هنا يبرز التساؤل: إذا كانت وثيقة السفر الاضطرارية لا تُمنح إلا بعد تقديم مستندات تثبت هوية المواطن، فلماذا لا تُعتمد هذه المستندات نفسها متى كانت كافية وقابلة للتحقق؟

فالرقم الوطني السوداني أصبح وسيلة دقيقة لإثبات الهوية، ويمكن للجهات المختصة التحقق منه إلكترونياً. كما أن كثيراً من العائدين يحملون جوازات سفر منتهية، أو صوراً منها، أو مستندات رسمية أخرى، بينما يمتلك الأطفال الذين وُلدوا في مصر شهادات ميلاد وأرقاماً وطنية سودانية تثبت انتماءهم وجنسيتهم.

إذا كانت هذه البيانات موجودة ويمكن التحقق منها، فما الحكمة من إلزام المواطن بإجراءات إضافية ورسوم جديدة للحصول على وثيقة لا تضيف – في كثير من الحالات – معلومات جديدة، وإنما تعيد إثبات ما هو ثابت بالفعل؟

إن هذا الشرط قد يكون يسيراً على المقتدر، لكنه يشكل عبئاً ثقيلاً على الأسر محدودة الدخل، خاصة تلك التي تضم عدداً كبيراً من الأطفال، حيث تصبح تكلفة استخراج الوثائق عائقاً أمام العودة، فضلاً عن ما يصاحبها من انتظار وإجراءات ومراجعات.

إن السودان اليوم يحتاج إلى كل أبنائه. ويحتاج إلى سياسات تشجع العودة، لا إلى إجراءات قد تؤخرها أو تزيد من مشقتها. كما أن الظروف الإنسانية الاستثنائية التي فرضتها الحرب تستدعي حلولاً استثنائية تراعي الواقع، دون أن تمس مقتضيات الأمن أو سلامة الإجراءات.

ولا يدعو هذا الطرح إلى إلغاء التحقق من الهوية، وإنما إلى تطوير آلياته والاستفادة من قواعد البيانات الوطنية، واعتماد الرقم الوطني والمستندات الرسمية متى ثبتت صحتها، مع قصر وثيقة السفر الاضطرارية على الحالات التي يتعذر فيها التحقق من هوية المواطن.

إن مراجعة هذا القرار لن تكون تنازلاً عن القانون، بل ستكون تطبيقاً لروح القانون التي تقوم على خدمة المواطن، وتحقيق المصلحة العامة، والتخفيف عن الناس في أوقات الشدة.

ونوجه نداءً صادقاً إلى السلطات السودانية، وإلى وزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، وسفارة السودان بالقاهرة، لإعادة النظر في هذا الإجراء، والاستماع إلى معاناة اللاجئين السودانيين، والعمل على تبسيط إجراءات العودة بما يحفظ هيبة الدولة، ويصون كرامة المواطن، ويزيل العقبات أمام كل سوداني يتطلع إلى العودة إلى وطنه.

فالوطن الذي فتح قلبه لأبنائه في أوقات الرخاء، أولى أن يفتح أبوابه لهم في زمن المحنة، وأن يجعل العودة إليه أيسر طريق، لا أصعبه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى