مقالات

د. حسين العالم يكتب : الغربال +.. حين تتجاهل المؤسسات أحكام القضاء… من يحمي سيادة القانون وأموال المساهمين؟

متابعات مرآة-السودان.. حين تتجاهل المؤسسات أحكام القضاء... من يحمي سيادة القانون وأموال المساهمين؟

حين تتجاهل المؤسسات أحكام القضاء… من يحمي سيادة القانون وأموال المساهمين؟

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 مجرد أزمة أمنية وعسكرية، بل كانت زلزالاً أصاب مفاصل الدولة والاقتصاد والمجتمع. ومن أكثر القطاعات تأثراً بذلك قطاع العمل، حيث وجد آلاف العاملين أنفسهم خارج وظائفهم، بينما واجهت المؤسسات العامة والخاصة تداعيات الحرب بقرارات متباينة؛ فمنها من منح العاملين إجازات دون مرتب مراعاةً للظروف القاهرة، ومنها من توصل إلى تسويات تحفظ الحقوق، بينما لجأت مؤسسات أخرى إلى إنهاء خدمة العاملين بقرارات أثارت جدلاً قانونياً واسعاً.

ولا خلاف على أن الظروف الاستثنائية قد تستوجب حلولاً استثنائية، لكن حتى في أوقات الحروب تبقى سيادة القانون هي الضامن الوحيد للحقوق، فلا تسقط الحقوق العمالية لمجرد قيام ظرف طارئ، كما لا تبيح القوة القاهرة مخالفة النصوص القانونية المنظمة لعلاقة العمل إلا في الحدود التي رسمها القانون.
لقد كشفت السنوات الماضية عن عشرات القضايا العمالية التي انتهت إلى المحاكم، وبعضها استنفد جميع درجات التقاضي حتى صدرت فيه أحكام نهائية وباتة من المحكمة العليا. وكان من المفترض أن تنتهي تلك المنازعات عند هذا الحد، غير أن الواقع يكشف استمرار بعض الإدارات في التعامل مع تلك الأحكام وكأنها لم تصدر، سواء بعدم تنفيذها أو بالاستمرار في إثارة النزاع ذاته أمام المحاكم، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ حجية الأحكام القضائية.

إن احترام الأحكام النهائية ليس ترفاً قانونياً، بل هو أحد أهم مقومات دولة القانون. فالحكم النهائي يكتسب قوة الأمر المقضي فيه، ويغلق باب النزاع بين الخصوم في ذات الموضوع والسبب، حمايةً لاستقرار المراكز القانونية ومنعاً لتضارب الأحكام.
وقد حسم قانون الإثبات السوداني لسنة 1994 هذه المسألة بصورة واضحة، إذ قررت المادة (51) أن الأحكام النهائية حجة قاطعة على الخصوم فيما فصلت فيه، ولا يجوز تقديم دليل ينقض تلك الحجية. كما جاءت المادة (52) لتحدد نطاق هذه الحجية متى اتحد الخصوم والسبب والمحل.
ومن ثم، فإن أي دعوى جديدة تتعلق بذات النزاع الذي سبق الفصل فيه بحكم نهائي، ينبغي أن تواجه بالدفع بحجية الأمر المقضي فيه، وأن يقتصر نظر المحكمة – إذا اشتملت الدعوى على مطالب جديدة – على تلك المطالب التي لم يسبق الفصل فيها، مع شطب كل ما سبق أن حسمه القضاء.

غير أن المشكلة لا تقف عند حدود الإجراءات القضائية، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي والإداري. فاستمرار مؤسسة في خوض نزاعات حسمها القضاء يعني استنزافاً مستمراً للموارد المالية في أتعاب المحامين والرسوم القضائية والتعويضات المحتملة، وهي أموال كان الأولى أن تُوجه إلى تطوير الأداء وتحسين الخدمات وحماية العاملين.

وتزداد خطورة هذا الأمر عندما تكون الدولة من كبار المساهمين في المؤسسة، لأن الخسائر لا يتحملها مجلس الإدارة وحده، وإنما يتحملها المال العام وصغار المساهمين الذين لا يملكون سلطة اتخاذ القرار، لكنهم يدفعون ثمنه من حقوقهم وعوائد استثماراتهم.

كما يفرض ذلك تساؤلاً مشروعاً حول مسؤولية مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية التي تستمر في اتخاذ قرارات تخالف ما استقر عليه القضاء، ومدى خضوع تلك القرارات لرقابة الجهات المختصة بمبادئ الحوكمة والإدارة الرشيدة.

إن هذه المرحلة تستوجب مراجعة شاملة لملفات النزاعات العمالية التي انتهت بأحكام نهائية، والتوقف عن إعادة إنتاج الخصومات ذاتها، احتراماً للقضاء وحفاظاً على المال العام والخاص.

وفي هذا السياق، فإن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين السلطة القضائية في تطبيق حجية الأحكام، ووزارة العدل في ترسيخ ثقافة احترامها، والجهات الرقابية على الشركات، والجمعيات العمومية للمساهمين، والنقابات المهنية، وكل من يعنيه أن تبقى هيبة القضاء مصونة.
إن سيادة القانون لا تُقاس بعدد الأحكام التي تصدرها المحاكم، وإنما بمدى احترام تلك الأحكام وتنفيذها. فالقضاء هو الملاذ الأخير للمواطن، وإذا فقدت الأحكام النهائية قوتها العملية، فإن الثقة في العدالة نفسها تصبح على المحك.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام وصناع القرار معاً:
من يحاسب الإدارة التي تهدر أموال المساهمين والمال العام بمخالفة أحكام قضائية نهائية؟ ومن يعيد الاعتبار لهيبة القضاء إذا أصبح تنفيذ أحكامه أمراً اختيارياً؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست دفاعاً عن عامل أو مؤسسة، وإنما دفاع عن دولة القانون، وعن حق كل مواطن في أن يكون الحكم القضائي النهائي نهايةً للنزاع، لا بدايةً لجولة جديدة من الخصومة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى