د. حسين العالم يكتب الغربال + الطريق الذي يرفضه الجميع
متابعات مرآة-السودان د. حسين العالم يكتب الغربال + الطريق الذي يرفضه الجميع
الطريق الذي يرفضه الجميع
كلما انعقد مؤتمر أو أُطلقت مبادرة جديدة لإنهاء الحرب في السودان، يتكرر المشهد ذاته: بيانات مطولة، شعارات عن السلام، دعوات إلى التوافق الوطني، ثم عودة إلى نقطة الصفر. وبينما تختلف المنصات والأسماء والوسطاء، فإن جوهر الطروحات يكاد يكون واحداً؛ وقف الحرب، إطلاق عملية سياسية، والتوصل إلى توافق سوداني واسع لا يستثني أحداً.
لكن السؤال الذي ظل مطروحاً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 هو: إذا كانت جميع المبادرات تتحدث عن السلام والتوافق، فلماذا لا يتحقق أي تقدم حقيقي؟
الإجابة تبدو واضحة رغم أن كثيرين يتجنبون قولها بصراحة. فالأزمة لا تكمن في غياب المبادرات، وإنما في الفجوة الكبيرة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري. فالجيش السوداني يشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها وتسليم سلاحها قبل أي ترتيبات سياسية، بينما ترفض قوات الدعم السريع الدخول في حوار مباشر مع الجيش، وتعتبره خاضعاً لتأثير الحركة الإسلامية. وبين هذين الموقفين المتصلبين تضيع فرص السلام وتستمر الحرب في استنزاف الدولة والمجتمع.
إن أي قراءة موضوعية لتجارب النزاعات المسلحة في السودان والعالم تؤكد حقيقة واحدة: الحروب لا تنتهي بالحوار بين الأصدقاء، وإنما بالتفاوض بين الخصوم. فلو كان الاتفاق ممكناً بين الأطراف المتقاربة لما اندلعت الحروب أصلاً. لذلك فإن الحديث عن عملية سياسية لا تشمل أطراف القتال الرئيسية يظل أقرب إلى التمنيات منه إلى الحلول الواقعية.
لقد شهد السودان عشرات المبادرات والاتفاقيات منذ الاستقلال، لكن الاتفاقات التي أحدثت أثراً حقيقياً كانت تلك التي جلست فيها الأطراف المتحاربة وجهاً لوجه، مهما بلغت درجة العداء بينها. ولم يكن اتفاق أديس أبابا عام 1972 أو اتفاقية السلام الشامل عام 2005 نتاج توافق بين القوى المدنية وحدها، بل نتيجة تفاوض مباشر مع القوى التي كانت تحمل السلاح على الأرض.
صحيح أن كثيرين ينظرون إلى الحوار مع الخصوم باعتباره تنازلاً مؤلماً أو مكافأة للطرف الآخر، لكن البديل غالباً يكون أكثر كلفة. فالتاريخ السوداني يقدم دروساً قاسية في هذا المجال. فقد استمرت الحرب الأهلية في جنوب السودان لعقود طويلة قبل أن تنتهي بانفصال الجنوب، وهو الثمن الذي دفعته البلاد بعد نصف قرن من الصراع. كما أن أزمة دارفور التي بدأت بحركات محدودة تحولت مع مرور الزمن إلى عشرات الحركات والتنظيمات المسلحة، ما جعل الحل أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة.
واليوم يقف السودان أمام خطر مشابه. فكلما طال أمد الحرب تعمقت الانقسامات السياسية والاجتماعية والجغرافية، وظهرت مراكز نفوذ جديدة ووقائع ميدانية يصعب تجاوزها. كما أن استمرار الصراع يفتح الباب أمام مشاريع التقسيم والتشظي، سواء رفعت هذا الشعار صراحة أو وصلت إليه بحكم الأمر الواقع.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى الاعتراف بحقيقة سياسية لا مفر منها: لا يمكن بناء سلام مستدام دون إشراك الأطراف الفاعلة على الأرض، تماماً كما لا يمكن بناء دولة مستقرة بإقصاء قطاعات واسعة من القوى السياسية والاجتماعية. فالتفاوض ليس اعترافاً بشرعية الحرب، بل هو وسيلة لإنهائها. كما أن الجلوس إلى طاولة الحوار لا يعني التنازل عن العدالة أو المحاسبة، وإنما يعني البحث عن طريق يمنع سقوط المزيد من الضحايا ويحافظ على ما تبقى من الدولة.
إن المطلوب اليوم ليس مؤتمرات جديدة بقدر ما هو شجاعة سياسية للاعتراف بالواقع كما هو، لا كما تتمناه الأطراف المختلفة. فكل يوم تتأخر فيه التسوية تتسع دائرة المأساة الإنسانية وتتراجع فرص الحفاظ على وحدة السودان واستقراره.
ربما يختلف السودانيون حول كثير من التفاصيل، لكنهم يكادون يجمعون على أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. وإذا كانت النهاية الحتمية لأي حرب هي التفاوض، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الخصوم سيتحاورون، بل كم سيدفع السودان من دماء وخراب قبل أن يقتنع الجميع بالطريق الذي يرفضونه اليوم. فالسودان اليوم أمام خيارين: إما شجاعة المواجهة والمشاركة غير المريحة، وإما الانقسام الذي سيدفع ثمنه المدنيون مرة أخرى. فهل يستطيع السياسيون تجاوز “المؤامرة” الوهمية ليروا الحقيقة؟ أم أن تاريخ السودان محكوم عليه بتكرار المآسي؟











