Uncategorized

د. حسين العالم يكتب:الغربال+ أحمد هارون (2)

متابعات مرآة السودان

أحمد هارون (2): صلاح قوش والدولة الأمنية.. من أسقط البشير؟ ولماذا لا ينقذ «النظام الهجين» السودان؟

في الجزء الأول من قراءتنا لحوار رئيس حزب المؤتمر الوطني أحمد محمد هارون مع «السودان بودكاست»، توقفنا عند أهمية المقابلة وما أثارته من أسئلة سياسية حول تجربة الإنقاذ ومستقبل السودان. وفي هذا الجزء نتناول واحدة من أكثر القضايا إثارة في الحوار: كواليس سقوط نظام البشير، ودور اللجنة الأمنية وصلاح قوش، ثم ننتقل إلى التصور الذي طرحه هارون بشأن النظام الهجين، ومدى صلاحيته للخروج بالسودان من أزمته التاريخية.

ولعل أكثر ما يستوقف المتابع في حديث هارون وصفه لصلاح قوش بأنه «بطل فيلم هندي يموت في الدقائق الأولى»، مع إبدائه عدم الرغبة في إضاعة وقت المشاهدين بالحديث عنه. غير أن هذه العبارة، على ما تحمله من سخرية سياسية، تفتح باباً واسعاً للتساؤل: هل يمكن اختزال دور صلاح قوش في مشهد عابر، بينما كان جهاز الأمن والمخابرات في سنوات الإنقاذ قد تحول إلى أحد أكثر مراكز القوة نفوذاً وتأثيراً في الدولة؟

إن فهم سقوط البشير لا يبدأ من يوم الحادي عشر من أبريل 2019، بل من تفكيك بنية السلطة التي سبقته، والصراعات التي كانت تدور داخلها، وكيف تحولت المؤسسات التي أنشئت لحماية النظام إلى مراكز قوة تتنافس على القرار والنفوذ.

أولاً: صلاح قوش.. بطل انتهى مبكراً أم رجل كان يدير دولة داخل الدولة؟

إن تشبيه صلاح قوش ببطل فيلم هندي يموت في بدايته قد يكون توصيفاً ساخراً لمآل الرجل السياسي بعد سقوط البشير، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم المتعلق بحجم نفوذه ودوره في بنية نظام الإنقاذ.

فجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ولا سيما خلال سنوات صعود صلاح قوش، لم يكن مجرد جهاز استخباراتي يؤدي مهام جمع المعلومات وتحليلها. لقد اتسع نفوذه ليشمل جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية، وأصبح حاضراً في تفاصيل الحياة العامة، وله امتدادات في مؤسسات الدولة والقطاع الاقتصادي، فضلاً عن قدراته الأمنية والعسكرية.

كما امتلك الجهاز أذرعاً اقتصادية واستثمارية واسعة، وارتبط اسمه بهيئة العمليات، التي مثلت قوة مسلحة ذات إمكانات كبيرة، بما أوجد واقعاً تتعدد فيه مراكز القوة المسلحة داخل الدولة الواحدة.

وهنا تكمن خطورة التجربة؛ إذ لم يعد جهاز الأمن مجرد مؤسسة تعمل تحت سلطة الدولة، بل أصبح مركز نفوذ يمتلك أدوات تأثير تتجاوز اختصاصه الأصلي، وينافس مؤسسات أخرى في صناعة القرار.

ولم يكن ذلك بعيداً عن مخاوف البشير نفسه. فحين تتضخم قوة جهاز أمني إلى الحد الذي يجعله قادراً على التأثير في موازين السلطة، يصبح وجوده مصدر قلق للرئيس الذي أنشأ أو عزز نفوذه. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة محاولات البشير إعادة ترتيب تبعية القوات والتشكيلات المسلحة، ومن بينها قوات الدعم السريع، وإبعادها عن دائرة النفوذ الأمني المباشر وربطها بالقصر والقيادة العليا.

لقد كان البشير، في تقديري، يدير توازنات بين مراكز قوة متنافسة، بدلاً من بناء منظومة أمنية وعسكرية موحدة تخضع لمؤسسات الدولة. وكان يعتقد أن تعدد هذه المراكز يضمن له الحماية، لكنه لم يدرك أن تضخمها سيجعلها في نهاية المطاف قادرة على تهديد سلطته ذاتها.

ثانياً: من خلاف البشير وقوش إلى اللجنة الأمنية.. هل كانت الإطاحة بالبشير انتقاماً داخل النظام؟

إن استعادة مسار العلاقة بين البشير وصلاح قوش تظل ضرورية لفهم ما جرى في أبريل 2019.

فقد شهدت تلك العلاقة مراحل من الصعود والتراجع، وتعرض قوش للإبعاد والسجن، قبل أن يعود إلى قيادة جهاز الأمن في فبراير 2018. وهذه العودة لم تكن مجرد إعادة تعيين لمسؤول أمني سابق، بل جاءت في سياق توازنات معقدة داخل النظام، وفي وقت كانت فيه الأزمة الاقتصادية والسياسية تتفاقم.

ومن هنا يمكن طرح فرضية مهمة: هل كان قوش، بعد عودته إلى مركز القرار، يسعى إلى استعادة نفوذه والانتقام من إبعاده السابق، أم أن تحركاته كانت جزءاً من حسابات أوسع داخل منظومة الحكم التي بدأت تبحث عن بديل للبشير؟

إن ما يثير الانتباه أن اللجنة الأمنية التي انتهى بها الأمر إلى عزل البشير لم تكن جسماً غريباً عن النظام، بل تشكلت من داخل مؤسساته الأمنية والعسكرية، وضمّت قيادات كانت شريكة في إدارة الدولة وحماية النظام.

ولذلك فإن سقوط البشير لم يكن مجرد انتصار لمؤسسة على أخرى، بل كان أيضاً تعبيراً عن انهيار التوازنات التي أقام عليها حكمه.

أما القول إن قوش هو من هندس كل شيء ثم أُفشل مخططه، أو إنه كان صاحب الخطة التي انتهت إلى الإطاحة بالبشير، فيحتاج إلى مزيد من الوثائق والشهادات المتقاطعة. فلا تكفي الخصومات الشخصية، ولا الروايات اللاحقة، لإثبات تفاصيل خطة سرية أو تحديد صاحب القرار النهائي.

لكن المؤكد أن قوش كان فاعلاً محورياً في البيئة الأمنية والسياسية التي سبقت السقوط، وأن دوره لا يمكن تجاوزه بمجرد وصفه ببطل انتهى مبكراً.

والأهم أن اللجنة الأمنية نفسها لم تكن صاحبة رؤية وطنية متكاملة للانتقال، بقدر ما كانت تعبيراً عن تحرك داخل بنية النظام لإنهاء حكم البشير في لحظة أصبح فيها استمرار النظام بصورته السابقة بالغ الصعوبة.

لقد أرادت اللجنة، في تقديرنا، السيطرة على مسار التغيير وإدارة المرحلة التالية، لكن الثورة الشعبية كانت قد تجاوزت حدود الحسابات الداخلية، ورفعت مطلباً أكبر من تغيير الرئيس: تفكيك بنية الاستبداد وبناء دولة جديدة.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: نجحت المؤسسة الأمنية والعسكرية في إنهاء حكم البشير، لكنها لم تنجح في تقديم انتقال مستقر يحقق مطالب الثورة، كما لم تنجح القوى المدنية في بناء شراكة مؤسسية متماسكة تمنع عودة الصراع على السلطة.

ثالثاً: البشير والدعم السريع.. حين تحولت أدوات الحماية إلى مراكز قوة مستقلة

لا يمكن فصل سقوط البشير عن الطريقة التي أدار بها العلاقة بين القوات المسلحة وجهاز الأمن وقوات الدعم السريع.

فقد سعى البشير إلى الاستفادة من تعدد التشكيلات المسلحة في موازنة مراكز القوة، معتقداً أن توزيع النفوذ بين هذه الأطراف يوفر له مظلة حماية ويمنع أي مؤسسة من الانفراد بالسلطة.

وكانت قوات الدعم السريع قد نشأت في سياق الصراع في دارفور، ثم انتقلت إلى مرحلة جديدة من التنظيم والتمدد، وأصبحت تحت مظلة جهاز الأمن والمخابرات في بداياتها، قبل أن تتغير ترتيبات تبعيتها، ويصدر قانونها في يناير 2017، الذي وضعها تحت إشراف القائد الأعلى للقوات المسلحة.

لكن التقنين القانوني لم يحل الإشكال البنيوي المتمثل في وجود قوة مسلحة ذات قيادة وموارد ومصالح مستقلة، ولم يضمن اندماجها الفعلي في منظومة عسكرية موحدة.

والأكثر أهمية أن الدعم السريع لم يعد مجرد أداة داخلية في حسابات البشير. فقد اتسعت علاقاته الخارجية، وبرزت صلاته بالإمارات، كما دخل السودان في ترتيبات إقليمية ودولية مرتبطة بملف الهجرة ومكافحة التهريب، ضمن مسار الخرطوم الذي نشط منذ عام 2014.

وفي هذا السياق، تشير دراسات إلى أن قوات الدعم السريع أُسندت إليها أدوار في مراقبة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، وهو ما أسهم في تعزيز مكانتها الأمنية والسياسية. كما اتسعت علاقاتها الخارجية عبر المشاركة في ملفات إقليمية وعسكرية.

ولا يصح اختزال استقلالية الدعم السريع في هذه الارتباطات وحدها، أو الجزم بأن الاتحاد الأوروبي أو الإمارات كانا السبب المباشر في سقوط اللجنة الأمنية؛ فذلك يحتاج إلى أدلة تفصيلية. لكن من الواضح أن تعدد مصادر النفوذ والموارد والعلاقات الخارجية جعل القوة أكثر قدرة على الحركة والمناورة خارج حسابات السلطة المركزية.

وهنا كان الخطأ الاستراتيجي الأكبر لنظام الإنقاذ: لقد أنشأ قوة لحماية النظام، ثم منحها من الإمكانات والامتدادات ما جعلها قادرة على أن تصبح طرفاً مستقلاً في معادلة الحكم والصراع.

إن الدولة التي تبني أمنها على تعدد الجيوش ومراكز القوة لا تؤسس للاستقرار، بل تزرع بذور التنافس المسلح الذي قد ينفجر في أي لحظة.

رابعاً: نكوص البشير عن الحوار الوطني.. كيف فقد النظام حاضنته السياسية؟

ثمة عامل آخر لا ينبغي إغفاله عند قراءة سقوط الإنقاذ، وهو تآكل الحاضنة السياسية للنظام، وعدم الوفاء بمخرجات الحوار الوطني الذي انعقد في عام 2016.

فقد كان الحوار الوطني فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين القوى السياسية، وفتح الطريق أمام إصلاح سياسي ودستوري، وتوسيع المشاركة، ومعالجة الاختلالات التي ظلت تحكم الدولة السودانية.

لكن الفجوة بين المخرجات المعلنة والتطبيق العملي ظلت واسعة، ولم يتحول الحوار إلى عقد سياسي جديد يضمن المشاركة الحقيقية أو يعالج أزمة احتكار السلطة.

وهذا النكوص أضعف الثقة في قدرة النظام على الإصلاح من داخله، وأفقده قطاعات من حلفائه ومؤيديه، في وقت كانت فيه الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية تتسعان.

لقد اجتمعت ثلاثة مسارات لتقود إلى لحظة السقوط:

صراع مراكز القوة داخل النظام وتضخم الأجهزة الأمنية والعسكرية.

انهيار الثقة السياسية وتراجع الحاضنة التي كانت تسند النظام.

تصاعد الحراك الشعبي الذي نقل الأزمة من صراع داخل السلطة إلى مواجهة وطنية واسعة حول شرعية الحكم ومستقبل الدولة.

ومن ثم، فإن سقوط البشير لا يمكن تفسيره باعتباره انتصاراً لشخص على آخر، أو نجاحاً لمؤامرة أمنية منفردة؛ بل كان نتيجة تراكم اختلالات الدولة نفسها، وتفاعل الصراع الداخلي مع الضغط الشعبي.

خامساً: النظام الهجين.. هل يعالج أزمة السودان أم يعيد إنتاجها؟

انتقل هارون في الحوار من استعادة الماضي إلى طرح تصور لمستقبل الحكم، داعياً إلى صيغة هجينة تجمع بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية، ومبرراً ذلك بأن التجربة السودانية أثبتت صعوبة إبعاد الجيش عن السلطة، وأن إخراجه من الباب قد يعني عودته من النافذة.

هذا الطرح يستحق النقاش، لأنه يلامس حقيقة لا يمكن تجاهلها: الجيش في السودان ظل فاعلاً رئيسياً في الحياة السياسية منذ الاستقلال، وأصبح جزءاً من معادلة الحكم، سواء عبر الانقلابات أو عبر الشراكات الانتقالية أو التدخلات المباشرة في إدارة الدولة.

لكن السؤال هو: هل نعالج هذه الحقيقة بالتسليم بها، أم نعمل على تغييرها؟

إن النظام الهجين، إذا كان المقصود به شراكة دائمة بين العسكريين والمدنيين في السيادة والحكم، فإنه يحمل في داخله أسباب فشله؛ لأنه لا يضع حداً فاصلاً بين الوظيفة العسكرية والسلطة السياسية، ولا ينهي ازدواجية القرار، ولا يضمن خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية المدنية.

وقد أثبتت تجربة الشراكة الانتقالية بعد 2019 أن تقاسم السلطة دون تحديد واضح للصلاحيات والاختصاصات، ودون رقابة مؤسسية مستقلة، يجعل كل طرف يرى نفسه شريكاً في السيادة لا خاضعاً لقواعد الدولة.

وكانت النتيجة أن تحولت الشراكة إلى ساحة صراع، وانتهت بانقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم دخل السودان في مسار بالغ الخطورة انتهى إلى حرب 15 أبريل 2023.

ولا يعني ذلك أن المدنيين كانوا بلا أخطاء، أو أن القوى السياسية لم تسهم في تعقيد المشهد. بل إن مراجعة التجربة تقتضي الاعتراف بفشل النخب المدنية في بناء جبهة ديمقراطية متماسكة، وفي إدارة الخلافات، وفي تقديم مشروع وطني قادر على استيعاب المؤسسة العسكرية وإصلاحها.

لكن الاعتراف بأخطاء المدنيين لا يبرر استمرار تدخل الجيش في السياسة، كما أن الاعتراف بدور بعض القوى المدنية في التمهيد لانقلابات سابقة لا يجعل الانقلابات عملاً مدنياً.

ففي التاريخ السوداني، كانت هناك حالات تواطؤ أو استدعاء أو دعم سياسي مدني لتحركات عسكرية؛ كما حدث في انقلاب 1958، وفي الترتيبات السياسية التي أحاطت بانقلاب 1969، وفي تحالف الجبهة الإسلامية مع الجيش في انقلاب 1989. غير أن التنفيذ والسيطرة على مؤسسات الدولة في هذه الحالات كانا عسكريين.

والدرس هنا ليس إبعاد المدنيين عن العسكريين، وإنما إنهاء العلاقة غير الدستورية التي تجعل الجيش طرفاً في التنافس على السلطة، وتمنح الأحزاب حق الاستقواء به أو استدعاء تدخله.

المطلوب ليس نظاماً هجيناً يتقاسم فيه العسكريون والمدنيون السلطة، بل نظاماً دستورياً مدنياً تتكامل فيه المؤسسات، وتخضع فيه القوات المسلحة للقيادة المدنية، وتظل مستقلة في شؤونها المهنية والعسكرية.

سادساً: أحمد هارون.. أفكار تتجاوز ثقافة التنظيم الذي يمثله؟

من الإنصاف الإقرار بأن الحوار أظهر أحمد هارون بوصفه شخصية سياسية تمتلك خبرة في إدارة الملفات العامة، وقدرة على النقاش وطرح بعض الأسئلة التي تستحق التوقف عندها.

كما أن بعض الأفكار التي طرحها بشأن الحوار الوطني، ومستقبل الحكم، وضرورة البحث عن صيغة سودانية لمعالجة الأزمة، تستحق النقاش بعيداً عن المواقف المسبقة.

لكن هنا تبرز المفارقة: هل يستطيع المؤتمر الوطني، بثقافته السياسية وممارساته وتجربته الممتدة في الحكم، أن يتبنى فعلاً أفكار الإصلاح التي يطرحها رئيسه؟

إن المشكلة ليست في قدرة أحمد هارون الشخصية على تقديم أفكار جديدة، بل في مدى استعداد التنظيم الذي يمثله لمراجعة تجربته، والتخلي عن ثقافة احتكار السلطة، وقبول التعددية الحقيقية، وتداول القيادة، والاعتراف بأن الدولة ليست ملكاً لحزب أو تيار.

فالتجربة التي استمرت ثلاثة عقود لم تكن مجرد تجربة إدارية أخفقت في بعض السياسات، وإنما كانت نموذجاً في تداخل الحزب بالدولة، وتسييس المؤسسات، وتضييق المجال العام، وتغليب الولاء التنظيمي على المواطنة والكفاءة.

ومن ثم فإن الإصلاح لا يمكن أن يكون مجرد خطاب جديد بوجوه مألوفة، بل يحتاج إلى مراجعة فكرية ومؤسسية عميقة، وإلى إفساح المجال أمام قيادات جديدة تمتلك رؤية مختلفة، وتستطيع الانتقال من عقلية إدارة السلطة إلى عقلية بناء الدولة.

وقد يكون من الأفضل للمؤتمر الوطني، ولغيره من القوى السياسية التي استنفدت تجاربها، أن يسهم في فتح الطريق أمام جيل جديد، بدلاً من إعادة إنتاج الصراع حول استعادة مواقع النفوذ القديمة.

إن احترام التاريخ السياسي لأي حزب لا يعني منحه حقاً أبدياً في قيادة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى