Uncategorized

د. حسين العالم يكتب :الغربال + الجنيه السوداني.. من ينقذ ما تبقى

متابعات -مرآة السودان

الجنيه السوداني.. من ينقذ ما تبقى؟

لم يعد انهيار الجنيه السوداني مجرد أزمة في سعر الصرف، أو نتيجة لزيادة الطلب على العملات الأجنبية، بل أصبح انعكاساً لأزمة اقتصادية ومؤسسية عميقة، فاقمتها الحرب، وأضعفت قدرة الدولة على إدارة مواردها النقدية، وأحدثت خللاً واسعاً في النظام المصرفي وقنوات تداول الأموال.

فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرض الاقتصاد السوداني لصدمة غير مسبوقة، تمثلت في تراجع النشاط الإنتاجي، وتعطل المؤسسات المصرفية، واتساع رقعة الاقتصاد الموازي، وتراجع الثقة في العملة الوطنية. ولم تعد المشكلة محصورة في تدهور قيمة الجنيه، بل امتدت إلى انحسار دور الجهاز المصرفي نفسه، وخروج نسبة كبيرة من الكتلة النقدية عن دائرة الرقابة والسيطرة النقدية.

أزمة أعمق من مجرد طباعة النقود

تكشف جذور الأزمة أن اختلال السياسة النقدية لم يبدأ مع الحرب، وإنما تراكم عبر سنوات طويلة من التضخم، وضعف الثقة في المصارف، والقيود المفروضة على السحب والتحويلات، إلى جانب اتساع التعاملات النقدية خارج القنوات الرسمية.

وقد جاءت الحرب لتضاعف هذا الخلل، حيث أصبحت السيولة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي أكثر صعوبة في الحصر والتوجيه، في وقت تراجعت فيه قدرة بنك السودان المركزي على استخدام أدواته التقليدية لإدارة المعروض النقدي وتحقيق الاستقرار.

كما أسهم تمويل العجز الحكومي عن طريق التوسع النقدي، دون غطاء إنتاجي أو احتياطيات أجنبية كافية، في زيادة الضغوط التضخمية وتآكل القوة الشرائية للمواطن، الأمر الذي جعل استقرار الجنيه رهيناً بإصلاح مالي ونقدي شامل، لا بمجرد قرارات إدارية لتحديد أسعار الصرف.

انقسام المؤسسات.. الخطر الأكبر

تقدم تجربتا اليمن وليبيا دروساً مهمة للسودان في هذه المرحلة. فقد أظهر النموذج اليمني كيف يمكن أن يؤدي انقسام البنك المركزي وتعدد مراكز إصدار القرار النقدي إلى ظهور أسواق وأسعار صرف متباينة، وتفكك شبكة التعاملات المالية بين مناطق البلاد.

وفي المقابل، تقدم تجربة إعادة توحيد مصرف ليبيا المركزي نموذجاً يستحق الدراسة، من حيث أهمية التوافق السياسي، والتنسيق المؤسسي، وتوحيد الحسابات والسياسات النقدية، والاستعانة بالوساطات والدعم الدولي عند الضرورة.

والدرس الأهم للسودان هو أن الحفاظ على وحدة المؤسسة النقدية يجب أن يظل أولوية وطنية، حتى في ظل الانقسام السياسي والعسكري. فاستمرار المقاصة والتحويلات والاعتراف المتبادل بالالتزامات المالية بين الأقاليم يمثل ضرورة لحماية وحدة السوق الوطنية ومنع تحول الانقسام السياسي إلى قطيعة نقدية دائمة.

الذهب والمغتربون.. موارد مهدرة أم بوابة للإنقاذ؟

يمتلك السودان موردين استراتيجيين يمكن أن يشكلا مدخلاً حقيقياً لمعالجة الأزمة: الذهب وتحويلات السودانيين بالخارج.

فالذهب، رغم أهميته في توفير النقد الأجنبي، لم يحقق العائد الاقتصادي المنشود بسبب التهريب، وضعف الرقابة، واتساع نشاط الأسواق غير الرسمية. ولذلك فإن إصلاح هذا القطاع يتطلب التخلي عن التسعير الإداري غير الواقعي، وتوفير أسعار شراء تنافسية مرتبطة بالأسعار العالمية، وتسهيل توريد الإنتاج عبر القنوات الرسمية، مع إحكام الرقابة على الصادر وحصائله.

أما تحويلات المغتربين، التي تمثل شريان حياة لملايين الأسر السودانية، فلا يمكن استقطابها بالنداءات الوطنية وحدها، وإنما ببناء الثقة وتوفير سعر صرف عادل، وتسهيل التحويلات المصرفية الرقمية، وطرح شهادات استثمار دولارية أو مرتبطة بالذهب، إلى جانب حوافز استثمارية وخدمية وجمركية تشجع على تحويل المدخرات عبر النظام الرسمي.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل السياسة النقدية

إن التعامل مع الأزمة يتطلب واقعية سياسية ومؤسسية، تأخذ في الاعتبار ثلاثة احتمالات:

الأول: استمرار الحرب والانقسام، وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويستوجب على الأقل حماية ما تبقى من وحدة النظام النقدي، وتأمين المقاصة في المناطق الآمنة، ومنع نشوء مراكز نقدية متنافسة.

الثاني: التوصل إلى تسوية جزئية، تتيح التنسيق بين المؤسسات المصرفية في مناطق السيطرة المختلفة، واستئناف المقاصة المشتركة، وتسهيل التحويلات، وبناء آليات رقابة مالية محايدة.

الثالث: تحقيق تسوية سياسية شاملة، تفتح الطريق أمام توحيد البنك المركزي، وإعادة بناء الجهاز المصرفي، وتوحيد السياسات النقدية والمالية، واستعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، وتوجيه الموارد نحو الإنتاج وإعادة الإعمار.

من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الاقتصاد

إن إنقاذ الجنيه السوداني لا يتحقق بقرار إداري، ولا بتغيير العملة، ولا بتحديد سعر رسمي لا يعكس واقع السوق. فالإصلاح الحقيقي يبدأ باستعادة الثقة في المؤسسات، ووقف التمويل التضخمي، وربط السياسة النقدية بالإنتاج، وإعادة تنظيم قطاع الذهب، واستقطاب تحويلات المغتربين، وتوسيع الشمول المالي.

كما أن أي برنامج إصلاحي يجب أن يضع المواطن في مقدمة أولوياته، ويحمي مدخراته وقدرته الشرائية، ويعيد للمصارف دورها في تمويل النشاط الاقتصادي بدلاً من أن تظل مجرد منافذ محدودة للإيداع والسحب.

إن السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتحول الانقسام السياسي والعسكري إلى انقسام نقدي واقتصادي يصعب علاجه، أو تتحول الأزمة الراهنة إلى فرصة لإعادة تأسيس النظام المالي على قواعد الاستقلال والشفافية والكفاءة.

فالعملة ليست مجرد أوراق نقدية تتداولها الأيدي، بل هي عنوان الثقة في الدولة، ومقياس قدرتها على إدارة مواردها، وضمان استقرار حياة مواطنيها. ومن هنا، فإن معركة إنقاذ الجنيه هي في جوهرها معركة استعادة الدولة وبناء اقتصاد وطني قادر على النهوض من ركام الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى