
أحمد هارون.. رمتني بدائها وانسلت!
مقال رقم (1): الحركة الإسلامية والجيش.. من شراكة الانقلاب إلى خصومة السلطة
في حوار اتسم بقدر لافت من الوضوح والصراحة، خرج مولانا أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني المكلف، ليتناول جملة من القضايا الشائكة المتعلقة بعلاقة الحركة الإسلامية بالمؤسسة العسكرية، وموقف الإسلاميين من الحرب الراهنة، ونشأة قوات الدعم السريع وتطور علاقتها بمراكز السلطة في عهد الإنقاذ.
لكن اللافت في حديث هارون ليس فقط ما قاله، وإنما توقيت قوله أيضاً. فثمة ظاهرة متكررة في السياسة السودانية، حيث ترتفع نبرة الوضوح والشفافية لدى بعض السياسيين بعد مغادرة مواقع السلطة، وكأن فقدان الموقع يحرر اللسان من قيود كانت تفرضها حسابات الحكم ومقتضيات البقاء فيه.
وهنا تبرز المفارقة: هل نحن أمام مراجعة حقيقية للتجربة، أم أمام رواية جديدة للماضي تفرضها متغيرات الحاضر؟
أولاً: الحركة الإسلامية والجيش.. حين ابتلع العسكر المشروع الإسلامي
وصلت الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في يونيو 1989، وكان يفترض، وفق خطابها السياسي والفكري، أن تكون المؤسسة العسكرية أداة لحماية الدولة والنظام، لا أن تتحول الحركة نفسها إلى أسيرة لمنطق المؤسسة العسكرية.
لكن ما حدث، بمرور السنوات، كان أقرب إلى انقلاب داخل الانقلاب؛ إذ بدلاً من أن تُسلم الحركة الإسلامية الحكم وتدير الدولة وفق مشروعها السياسي، تعسكرت الحركة، وأصبحت خاضعة لمنطق السلطة العسكرية ومتطلباتها.
وفي ظل هذه العسكرة، أخذت القيم التي رفعت الحركة شعاراتها تتراجع تباعاً، وتغير ترتيب العلاقة بين مكونات المشروع، فتحولت المعادلة من الحركة إلى الحزب ثم الحكومة، وأصبحت الحكومة هي مركز الثقل، بينما تراجعت الحركة إلى موقع التابع، حتى انتهى بها الأمر، ومعها شيخها المؤسس، إلى خارج دائرة القرار بعد المفاصلة الشهيرة عام 1999.
وبذلك، لم تعد السلطة تعبيراً عن مشروع حركة إسلامية بقدر ما أصبحت سلطة عسكرية ذات واجهات سياسية وتنظيمية.
فالنظام العسكري بطبيعته يقوم على التسلسل القيادي والتعليمات، وتكون الكلمة النهائية فيه للقائد، وليس للمؤسسات الحزبية أو التنظيمية. ومن هنا، فإن الحديث عن علاقة الحركة الإسلامية بالفريق أول عبد الفتاح البرهان ينبغي ألا ينفصل عن طبيعة العلاقة التي حكمت تجربتها السابقة مع المؤسسة العسكرية، ولا سيما مع الرئيس السابق عمر البشير.
فإذا كانت للحركة علاقة بالبرهان، فإن السؤال الجوهري هو: ما طبيعة هذه العلاقة؟ وهل هي علاقة شراكة سياسية وتنظيمية، أم مجرد تقاطع مصالح تفرضه ظروف الحرب؟
لقد أثبتت تجربة البشير أن المؤسسة العسكرية، متى استقرت لها السلطة، لا تتردد في إبعاد الحلفاء الذين أسهموا في وصولها إلى الحكم، متى رأت أن استمرارهم لم يعد ضرورياً. ومن ثم، فإن التعويل على علاقة استثنائية مع قيادة عسكرية جديدة قد يكون قراءة غير واقعية لطبيعة السلطة التي ساهمت الحركة نفسها في تأسيسها.
ثانياً: الحرب لم تبدأ في 15 أبريل.. ولكن من يتحمل مسؤولية صناعة أسبابها؟
في ما يتعلق بموقف المؤتمر الوطني والإسلاميين من الحرب، فإن اختزال الأزمة السودانية في أحداث 15 أبريل 2023 يظل توصيفاً قاصراً، إذا لم نعد إلى الجذور السياسية والعسكرية التي سبقت ذلك التاريخ.
وقد أشار أحمد هارون إلى أثر الاستعمار في تشكيل الواقع السوداني، وهي إشارة تستحق التوقف عندها. فالمستعمر لم يترك السودان أمام دولة وطنية مكتملة المؤسسات، بل ترك إرثاً من الاختلالات الإدارية والتعليمية والاجتماعية والسياسية، ساهم في تعقيد بناء الدولة.
غير أن الإنصاف يقتضي ألا يتحول هذا الإرث إلى شماعة تعلق عليها الحكومات الوطنية المتعاقبة إخفاقاتها. فالمشكلة ليست في أن الاستعمار وضع أسساً مختلة فحسب، وإنما في أن كثيراً من الحكومات التي جاءت بعد الاستقلال، رغم معرفتها بطبيعة تلك الاختلالات، لم تنجح في معالجتها جذرياً، بل أعادت إنتاج بعضها، وأحياناً وسعت آثارها.
وهنا تبرز مسؤولية نظام الإنقاذ بصورة خاصة؛ فالحكومة التي كان أحمد هارون أحد رموزها لم تكن بعيدة عن صناعة الواقع الذي أفرز الحرب الحالية.
فهي التي أنشأت قوات الدعم السريع في سياق حرب دارفور، واعتمدت في تشكيلها وتعبئتها على أسس قبلية وجهوية، في إطار معالجة أمنية وعسكرية للأزمة، بدلاً من بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تخضع لقانون واحد وقيادة واحدة.
كما أن تجربة دارفور وما صاحبها من انتهاكات واتهامات دولية وضعت عدداً من رموز النظام السابق أمام مساءلات جنائية دولية، وكان أحمد هارون نفسه من بين المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
ولذلك، فإن الحديث عن جذور الحرب لا يكتمل بمجرد الإشارة إلى الاستعمار أو تحميل الأطراف الأخرى المسؤولية، بل يتطلب شجاعة الاعتراف بأن سياسات نظام الإنقاذ كانت جزءاً أساسياً من البيئة التي نشأت فيها الأزمة.
ثالثاً: الدعم السريع.. من أداة في يد السلطة إلى قوة تنازعها الحكم
ربما تكون قضية نشأة قوات الدعم السريع وعلاقتها بمراكز السلطة السابقة هي أكثر القضايا التي تستدعي المكاشفة في حديث أحمد هارون.
فالدعم السريع لم يظهر من فراغ، ولم يكن قوة مستقلة عن الدولة منذ نشأته؛ بل نشأ في ظل نظام الإنقاذ، واكتسب شرعيته القانونية والسياسية والعسكرية من مؤسسات ذلك النظام.
وقد استخدمته السلطة آنذاك أداة في إدارة الصراع المسلح بدارفور، ثم تطورت علاقته بالدولة، واتسعت صلاحياته ونفوذه، حتى أصبح يمتلك موارد اقتصادية وعلاقات خارجية وقدرات عسكرية مستقلة نسبياً عن المؤسسة العسكرية التقليدية.
ولم تقف العلاقة عند حدود الاستخدام العسكري؛ فقد ارتبط الدعم السريع، في عهد الإنقاذ، بمسارات تعاون واتصالات خارجية، من بينها المشاركة في ترتيبات مرتبطة بحرب اليمن تحت مظلة التحالف الذي تقوده السعودية، والتعاون مع الاتحاد الأوروبي في ملفات مكافحة الهجرة غير النظامية، وهي ملفات ساهمت في توسيع حضوره الخارجي.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: السلطة التي أسهمت في صناعة هذه القوة، وفتحت أمامها أبواب النفوذ والانتشار والعلاقات الخارجية، أصبحت لاحقاً في مواجهة قوة خرجت من تحت عباءتها ونازعتها مركز القرار.
ويصدق على هذه التجربة المثل العربي الشهير: «علّمته الرماية، فلما اشتد ساعده رماني».
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان الخلاف مع الدعم السريع خلافاً على طبيعة وجوده وتكوينه، أم أنه انفجر عندما تحولت هذه القوة من أداة في يد السلطة إلى شريك ينازعها النفوذ والقرار؟
إنها ليست مجرد قصة خلاف بين قائدين أو مركزين للقوة؛ إنها نتيجة طبيعية لبناء مؤسسات موازية للدولة، وتوظيف الولاءات القبلية والعسكرية في إدارة السلطة، بدلاً من تأسيس جيش وطني واحد.
ومن هنا، فإن تحميل الدعم السريع وحده مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، دون مراجعة السياسات التي أسهمت في نشأته وتمكينه، لا يمثل قراءة مكتملة للتاريخ.
رابعاً: رمتني بدائها وانسلت!
إن قيمة حديث أحمد هارون الحقيقية لن تتحدد بمدى وضوحه في نقد الآخرين، وإنما بقدرته على مواجهة الأسئلة المتعلقة بتجربته هو، وبالدور الذي أدته الحكومة التي كان جزءاً منها في تشكيل المشهد الحالي.
فليس من الإنصاف أن نتحدث عن أخطاء الآخرين ونتجاهل أخطاء السلطة التي صنعناها، أو أن ننتقد عسكرة السياسة بعد أن كنا من أبرز الذين أدخلوها إلى قلب الدولة، أو أن نستنكر نشأة قوات الدعم السريع دون الاعتراف بالظروف والسياسات التي مهدت لظهورها وتمكينها.
إن السودان لا يحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر حاجته إلى مراجعة وطنية صادقة، تعترف بالمسؤوليات، وتفصل بين مصالح التنظيمات والأحزاب ومصلحة الدولة والشعب.
وإذا كان أحمد هارون قد اختار اليوم أن يتحدث بوضوح، فإن المطلوب أن تمتد هذه المكاشفة إلى كامل التجربة، لا أن تتوقف عند حدود الخلاف مع من كانوا شركاء الأمس.
فالتاريخ لا يكتبه من غادروا مواقع السلطة وحدهم، ولا تسقط المسؤولية السياسية بمجرد مغادرة الكراسي.
يتبع في المقال رقم (2): كواليس سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، ودور اللجنة الأمنية وصلاح قوش، وقراءة أحمد هارون لتجربة الحكم ومستقبل السودان.











