بعيون الابن أربعون عاماً من المجد… حين يترجل اللواء الخير أبومريدات
متابعات مرآة-السودان بعيون الابن أربعون عاماً من المجد… حين يترجل اللواء الخير أبومريدات

بعيون الابن أربعون عاماً من المجد… حين يترجل اللواء الخير أبومريدات
✦ تُروى سِيَرُ بعض الرجال من مواقفهم قبل كلماتهم… 🇸🇩 ✦
بقلم الابن اواب الخير
في هذا اليوم، وبعد مسيرة امتدت لما يقارب أربعة عقود في صفوف القوات المسلحة، يترجل اللواء الركن الخير عبدالله إدريس أبومريدات عن صهوة الخدمة، تاركاً خلفه تاريخاً حافلاً بالعطاء والوفاء، ومواقف لا تُنسى.
خمسة وعشرون عاماً عشناها إلى جواره كانت كفيلة بأن نرى ونفهم جزءاً يسيراً من تلك الرحلة الطويلة، لكنها كانت كافية لتغرس فينا معاني عظيمة لا تُقدّر بثمن.
منذ وعينا على الحياة، كان والدنا هو القدوة الأولى والمثال الأعلى. حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية. زرع فينا حب الوطن والانتماء للقوات المسلحة، من خلال قصصه عن ميادين العمليات ومناطقها؛ من جبل النفسيات، كاجي كاجو، الميل 83، إلى متحرك الشهيد عبدالعظيم بلة، وغرب الاستوائية، ونمولي، وفلتاكا، واللواء الثالث مشاة، ومتحرك الأنفال، واللواء 13 مشاة، وملكال، وخور كايا، وغرب النوير، مروراً باتفاق مشاكوس وبانتيو وفانرينق… وغيرها من المحطات التي قد تغيب حتى عن ذاكرة بعض المؤرخين والضباط الجدد.
كما حدثنا عن رفاق دفعته من جنوب السودان،أبناء الجنوب الحبيب، أمثال العم “جوانق كولبينق” والعم “لاكويلي”،وعن الشهداء الذين سبقوهم، من أولهم الشهيد نصرالدين إلى آخرهم الشهيد عباس الذي ارتقى بنيالا، رحمهم الله جميعاً.
نشأنا في ظلال هذه المؤسسة العريقة، نحمل لها في أعناقنا ديناً لا يُنسى. ولم تكن كلمات تُقال عن النزاهة والانضباط والشرف، بل كانت مواقف حاضرة تُجسد هذه القيم، يشهد بها كل من خدم معه من ضباط وجنود في مختلف المواقع.
تنقل بين محطات متعددة: من أعالي النيل وغابات الاستوائية، إلى جونقلي وبحر الغزال، ثم غرب السودان بمدينة المجلد، فمعهد المشاة بجبيت، ومنطقة جبل أولياء، فالقيادة العامة (الاستخبارات)، ثم ملحقاً عسكرياً بجدة، فمعتمداً بمحلية لقاوة الكلكة، وصولاً إلى أدواره وسيطاً ومفاوضاً في النزاعات القبلية، وأخيراً مديراً لاستخبارات الدعم السريع.
في هذه الرحلة، تعلمنا منه أن القائد الحقيقي لا يُستفز ولا يُثار، وأن الكذب يُحتقر، والجبن يُزدرى، والخيانة تُبغض. تعلمنا أن أعظم ما في الإنسان أن يبقى حراً ثابتاً على الحق، حتى في أصعب اللحظات.
ومن خلاله، تعرفنا على إخوة وأصدقاء من مختلف أنحاء السودان، من العسكريين والمدنيين، وتعرفنا على روح الدفعة 38 بكل ما فيها من وفاء وذكريات. وما زالت تلك اللحظات التي يجتمعون فيها، يروون قصص شبابهم، تحمل طعماً خاصاً لا يُنسى.
لم تكن خدمته مجرد سنوات تُحسب، بل كانت تاريخاً يُروى، ووسام شرف يزين مسيرته ويُضاف إلى سجل الوطن.علمنا التواضع، والبساطة، وأن عزة النفس والرضا تضاهي مُلك الملوك. وأن طريق الحق لا يقبل المزايدة، وأن أول الحكمة معرفة الحق، وآخرها ألا تعرف الخوف.
تقاعده اليوم ليس نهاية، بل بداية لإرث سيبقى حاضراً في وجدان الأجيال، ودليلاً على أن الرجال العظماء لا يغادرون مواقعهم، بل يتركون بصماتهم خالدة.
عرفه أبناؤه وزملاؤه بلقب “سياتو”، وداخل أروقة الاستخبارات باسم “الخير عبدالله أوجلان”، فكان اسماً له حضوره وهيبته.
رأينا فيه معنى الجيش العريق، ومعنى القيم والتقاليد والتضحيات ونكران الذات. تاريخ من الصمود والبسالة.
وسيظل موقف “15 أبريل” علامة فارقة في مسيرته؛ موقف سيكتبه التاريخ طويلاً، حين اختار الانحياز للحق والوفاء بالقسم، في وقت تباينت فيه المواقف وسقطت فيه الأقنعة.
والدي العزيز… رفعت رؤوسنا عالياً، فكنت لنا فخراً، وستظل كذلك. نسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأن يعيننا لنكون امتداداً لهذا الإرث العظيم.
وبعد سنوات طويلة من الانشغال بخدمة الوطن، أهلاً بك بيننا، لتبدأ فصلاً جديداً من الحياة… فصلاً تستعيد فيه ما توقف من الزمن.
سلام تعظيم 👑











