مقالات

د. حسين العالم يكتب الغربال +مؤتمر برلين للسودان.. هل تُصنع التسوية أم يُعاد رسم الخريطة

متابعات مرآة-السودان مؤتمر برلين للسودان.. هل تُصنع التسوية أم يُعاد رسم الخريطة

 

مؤتمر برلين للسودان.. هل تُصنع التسوية أم يُعاد رسم الخريطة

في ظل تعقيدات المشهد السوداني وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة، تستضيف العاصمة الألمانية برلين في 15 أبريل 2026 مؤتمرًا دوليًا رفيع المستوى، يحشد عددًا كبيرًا من الفاعلين الدوليين والإقليميين، في محاولة لإعادة وضع السودان على أجندة المجتمع الدولي. غير أن كثافة الحضور الدولي تقابلها فجوة لافتة تتمثل في غياب الأطراف الرئيسية في الصراع، ما يثير تساؤلات عميقة حول جدوى المؤتمر ومآلاته.

حضور دولي كثيف.. وغياب محلي مؤثر

يُعقد المؤتمر برعاية ألمانيا وبمشاركة أطراف دولية مؤثرة، من بينها الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، فرنسا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، إلى جانب دعم من جامعة الدول العربية ومنظمة “إيقاد”، فضلًا عن دول فاعلة ضمن آليتي “الرباعي” و”الخماسي” مثل السعودية ومصر والإمارات.

هذا الحشد الدولي يعكس رغبة واضحة في احتواء الأزمة السودانية، لكنه في المقابل يكشف عن خلل جوهري، يتمثل في غياب الحكومة السودانية وعدم مشاركة القوى العسكرية الفاعلة على الأرض، وهو ما يضعف من فرص الوصول إلى نتائج ملزمة أو واقعية.

أهداف متعددة ومسارات متقاطعة

ينطلق المؤتمر عبر ثلاثة مسارات رئيسية:

المسار الإنساني: يهدف إلى سد الفجوة التمويلية الكبيرة في خطة الاستجابة، والتي لم يُموّل منها سوى جزء محدود، وسط أوضاع إنسانية متدهورة.

المسار السياسي: يسعى لإحياء عملية سياسية تقود إلى وقف إطلاق النار وتمهيد الطريق لانتقال مدني.

المسار المدني (الجديد): يركز على إشراك قوى مدنية سودانية لصياغة رؤية مستقبلية، في محاولة لتعويض غياب الأطراف الرسمية.

ورغم أهمية هذه المسارات، فإن غياب الفاعلين الحقيقيين في الصراع يطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن تحقيق السلام دون حضور من يحمل السلاح؟

انتقادات وتحفظات.. شرعية منقوصة

الانتقادات لم تتأخر، حيث وصفت الحكومة السودانية المؤتمر بأنه “إقصائي”، معتبرة أن أي مخرجات تصدر عنه لن تكون ملزمة لها. كما أبدى حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، تحفظه على تركيبة المشاركين، مؤكدًا أن غياب التوازن واستبعاد أطراف مؤثرة يهدد فعالية النقاشات.

هذه المواقف تعكس أزمة شرعية يعاني منها المؤتمر، إذ يبدو أقرب إلى منصة دولية للنقاش منه إلى طاولة حقيقية لصناعة القرار.

كواليس سياسية مضطربة

في موازاة التحضيرات، تتحدث تسريبات عن خلافات حادة داخل بعض مكونات القوى المدنية، خاصة حول طبيعة التمثيل والعلاقة مع أطراف مسلحة. كما أُثير جدل حول مغادرة مفاجئة لبعض القيادات السياسية إلى الخارج، وسط مخاوف من الظهور في مواقف قد تضعف رصيدها السياسي.

هذه التباينات تكشف هشاشة التحالفات المدنية، وتعقيد المشهد السياسي، ما ينعكس سلبًا على أي مسار تفاوضي محتمل.

بين النجاح المحدود والفشل المتوقع

تشير المعطيات إلى سيناريوهين رئيسيين:

مؤشرات الفشل:

غياب الأطراف المتحاربة.

انقسامات القوى السياسية.

تجارب سابقة لمؤتمرات لم تحقق اختراقًا يُذكر.

مؤشرات النجاح المحدود:

الحفاظ على الزخم الدولي.

توفير منصة للقوى المدنية.

إمكانية حشد تمويل إنساني إضافي.

لكن حتى في أفضل الأحوال، يبدو أن سقف النجاح لن يتجاوز حدود التوصيات غير الملزمة.

قراءة أعمق.. هل يُعاد إنتاج الأزمة؟

إذا ما نظرنا إلى جذور الأزمة السودانية، نجد أن نمط المعالجات الخارجية ليس جديدًا. فمنذ الاستقلال، ساهمت سياسات مثل “المناطق المقفولة” في تعميق الانقسامات، وهو ما قاد لاحقًا إلى حرب جنوب السودان التي استمرت أكثر من عقدين وانتهت بالانفصال.

واليوم، تتكرر ذات الأنماط في مناطق مثل دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، حيث لا تزال النزاعات مشتعلة، وسط تدخلات خارجية غالبًا ما تفرض رؤى لا تنبع من الداخل.

مؤتمر برلين، وفق هذا السياق، يُخشى أن يكون امتدادًا لنفس النهج، خاصة مع اعتماده على مقاربة إقصائية شبيهة بما حدث في الاتفاق الإطاري، ما قد يؤدي إلى تعميق الأزمة بدل حلها.

الخلاصة.. مفترق طرق

مؤتمر برلين يقف عند مفترق طرق حقيقي:

إما أن يكون خطوة نحو تخفيف المعاناة الإنسانية وفتح نافذة للحوار، أو أن يتحول إلى محطة جديدة في مسار طويل من الحلول المفروضة التي لم تُنتج سوى مزيد من الانقسام.

يبقى السؤال الأهم:

هل يدرك السودانيون خطورة المسارات التي تُرسم لهم من الخارج، ويسعون لصياغة حل وطني جامع، أم يستمر تدوير الأزمة في قاعات المؤتمرات الدولية؟

الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مصير مؤتمر برلين، بل مستقبل السودان بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى