مقالات

د. حسين العالم يكتب : الغربال + الجمعية العمومية… سلطة بلا سلطان

متابعات مرآة -السودان

الجمعية العمومية… سلطة بلا سلطان؟

قراءة في حقوق المساهمين وحوكمة المصارف من واقع تجربة مصرف المزارع التجاري

في النظم المؤسسية الحديثة، لا تُعد الجمعية العمومية مجرد مناسبة دورية لعرض التقارير وإتاحة الفرصة لبعض المساهمين للتحدث، وإنما هي الإطار الأعلى الذي يمارس فيه المساهمون، بصفتهم ملاك رأس المال، سلطتهم في الرقابة والتقييم والمساءلة واتخاذ القرارات التي تدخل في اختصاصهم.
فالمساهمون هم أصحاب رأس المال، والجمعية العمومية هي الآلية التي يمارسون من خلالها حقوق الملكية، بينما يأتي مجلس الإدارة باعتباره جهازاً منتخباً من الجمعية العمومية ليتولى وضع السياسات العامة والإشراف على إدارة المصرف، وتأتي الإدارة التنفيذية لتتولى الإدارة اليومية والتنفيذ.
ومن هنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة:
إذا كانت الجمعية العمومية هي التي تنتخب مجلس الإدارة وتحاسبه، فهل يجوز عملياً أن تتحول الجمعية نفسها إلى اجتماع يديره مجلس الإدارة بالطريقة التي تمنع المساهمين من ممارسة سلطتهم الحقيقية؟
وهذا السؤال ليس نظرياً، بل تفرضه تجربة شهدتها الجمعية العمومية لمصرف المزارع التجاري.

أولاً: من يملك السلطة؟
القاعدة المؤسسية البسيطة تقول إن هناك ثلاثة مستويات ينبغي ألا تختلط اختصاصاتها:
المساهمون والجمعية العمومية:
يمثلون الملكية، وينتخبون مجلس الإدارة، ويناقشون التقارير والقوائم المالية، ويجيزون ما يدخل في اختصاصهم، ويحاسبون مجلس الإدارة، ويقررون في المسائل التي يحددها القانون والنظام الأساسي، ويملكون – وفق الضوابط – تغيير أو عزل أعضاء المجلس المنتخبين.

مجلس الإدارة:
هو جهاز الحوكمة والإشراف، يضع الاستراتيجيات والسياسات، ويراقب الإدارة التنفيذية، ويعتمد الأنظمة والسياسات، ويتابع المخاطر والالتزام والمراجعة، ويكون مسؤولاً أمام المساهمين عن نتائج أعمال المصرف وعن التطبيق السليم لنظامه الأساسي.

الإدارة التنفيذية:
تتولى الإدارة اليومية للمصرف، وتنفيذ الخطط والسياسات التي يعتمدها مجلس الإدارة، وإعداد الحسابات والتقارير والبيانات ورفع التقارير الدورية إلى المجلس.
وهذا التقسيم ليس مجرد اجتهاد نظري؛ فقد نصت ضوابط حوكمة المصارف الصادرة عن بنك السودان المركزي على انتخاب الجمعية العمومية لأعضاء مجلس الإدارة، وعلى مسؤولية المجلس أمام المساهمين عن نتائج أعمال المصرف وعن التطبيق السليم لنظامه الأساسي والشفافية والإفصاح. كما حددت للإدارة التنفيذية مسؤولية الإدارة اليومية وتنفيذ السياسات والخطط ورفع التقارير إلى مجلس الإدارة.

ثانياً: أين تكمن المشكلة؟
المشكلة تبدأ عندما يحدث خلط بين رئاسة مجلس الإدارة ورئاسة الجمعية العمومية، بحيث يصبح الشخص الذي يفترض أن يكون موضع مساءلة من الجمعية العمومية هو نفسه الذي يترأس الاجتماع الذي تتم فيه مساءلته.
وهنا تظهر مفارقة مؤسسية تستحق التوقف:
مجلس الإدارة يقدم تقريره إلى الجمعية العمومية، ثم يصبح رئيس المجلس هو الذي يترأس المنبر الذي يناقش فيه المساهمون تقرير المجلس!
وقد لا تكون المشكلة في مجرد تولي رئيس المجلس رئاسة الاجتماع إذا كان ذلك مقرراً صراحةً في القانون أو النظام الأساسي، وإنما في كيفية ممارسة هذه الرئاسة

فالرئيس الذي يدير الجمعية العمومية يجب أن يكون رئيساً للجلسة، لا رئيساً على إرادة الجمعية.

وظيفته أن يحافظ على النظام، وأن يتيح النقاش العادل، وأن يضمن تطبيق جدول الأعمال، وأن يتيح للمساهمين ممارسة حقوقهم، وأن يطرح المسائل للتصويت عندما تكون من اختصاص الجمعية؛ وليس أن يتحول إلى طرف في موضوعات النقاش وحَكَمٍ عليها في الوقت نفسه.

ثالثاً: ماذا حدث في الجمعية العمومية لمصرف المزارع التجاري؟
في الجمعية العمومية لمصرف المزارع التجاري، برزت – بحسب ما شهدناه – إشكالية تستحق التوقف والمراجعة.
فقد تقدم مساهمون بمذكرة كانوا يرغبون في عرضها على الجمعية العمومية، تتضمن قضايا تتعلق بالمصرف والعاملين وحقوقهم، إلا أن الاستماع إليها لم يتم.
ثم، عند عرض التقارير وإتاحة الفرصة للمداخلات، تناول عدد من المتحدثين قضية حقوق العاملين، وأكدوا ضرورة إنصافهم ومنحهم حقوقهم، ولا سيما الحقوق التي صدرت بشأن بعضها أحكام قضائية.
وطُلب أن تُضمن خلاصة هذه المداخلات في محضر الجمعية وأن تُصاغ في صورة قرار من قراراتها، باعتبار أن الجمعية هي صاحبة الاختصاص في مناقشة ما يدخل في نطاق سلطتها واتخاذ القرار بشأنه.
لكن ذلك – بحسب ما شهدناه – لم يُقبل.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص أو موقف عابر، وإنما بسؤال مؤسسي أكبر:
هل دور المساهم في الجمعية العمومية أن يستمع ويغادر، أم أن له حقاً حقيقياً في المناقشة والاقتراح والتصويت والمساءلة واتخاذ القرار في حدود القانون؟
إذا كانت المداخلات لا يمكن أن تؤثر في القرارات، وإذا كانت أجندة الاجتماع لا يمكن أن تناقش أو تعدل في حدود القانون، وإذا كانت المقترحات لا تجد طريقها إلى التصويت، فإن الجمعية العمومية تتحول تدريجياً من أداة للرقابة إلى مجرد إجراء شكلي.
وهنا يصبح التعبير الذي يفرض نفسه:

جمعية عمومية بلا أسنان.

رابعاً: ماذا تقول ضوابط بنك السودان المركزي؟

ضوابط حوكمة المصارف الصادرة عن بنك السودان المركزي تمثل أساساً مهماً في هذه المسألة.
فالمنشور رقم (5/2020) بشأن ضوابط حوكمة المصارف، الصادر استناداً إلى المادة (60/2) من قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2004م، وضع إطاراً واضحاً للعلاقة بين الجمعية العمومية ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.
ومن أهم ما ورد فيه:
أن الجمعية العمومية للمساهمين تُعقد سنوياً.
أن المساهمين يتلقون الدعوة قبل موعد الاجتماع بمدة لا تقل عن 15 يوماً، مرفقاً بها جدول الأعمال والتقارير المطلوبة.
أن تقارير محددة يجب إجازتها داخل الجمعية العمومية.
أن الجمعية العمومية تنتخب أعضاء مجلس الإدارة.
أن للمساهمين حق الترشح لعضوية مجلس الإدارة.
أن على مجلس الإدارة والجمعية العمومية مراعاة تمثيل صغار المساهمين.
أن مجلس الإدارة مسؤول أمام المساهمين والأطراف ذات العلاقة عن نتائج أعمال المصرف وعن التطبيق السليم لنظامه الأساسي والشفافية والإفصاح.
أن الجمعية العمومية تملك سلطة عزل أعضاء مجلس الإدارة المنتخبين وفق الضوابط.
وأن للمساهمين، بصفة عامة، حق الاستفسار عن أداء المجلس ومناقشة بعض المسائل المتعلقة بالمصرف.
بل إن ضوابط الحوكمة تحظر على عضو مجلس الإدارة الانفراد بصلاحية مطلقة في اتخاذ القرارات، وتمنع تدخله في العمل التنفيذي؛ وهي مبادئ تؤكد أهمية الفصل بين السلطات داخل المصرف.

خامساً: هل المطلوب إلغاء دور رئيس مجلس الإدارة؟
ليس بالضرورة.
المطلوب ليس إضعاف رئيس مجلس الإدارة ولا إقصاء مجلس الإدارة من الجمعية العمومية، وإنما منع تضارب الأدوار وتحقيق التوازن المؤسسي.
فإذا كان القانون أو النظام الأساسي يمنح رئيس مجلس الإدارة حق رئاسة الجمعية العمومية، فيجب أن تكون هذه الرئاسة رئاسة إجرائية محايدة، لا سلطة مطلقة على الاجتماع.

أما إذا كان القانون يسمح بتعديل النظام الأساسي أو اللوائح الداخلية، فمن الأفضل – من وجهة نظر الحوكمة – أن يكون هناك نص واضح يتيح للجمعية العمومية أن تختار رئيساً للجلسة من بين المساهمين، أو على الأقل أن تنتخب رئيساً مستقلاً للجلسة في الموضوعات التي يكون فيها مجلس الإدارة طرفاً مباشراً في المساءلة.
وهذا المقترح ليس غريباً عن منطق الحوكمة؛ فالهدف الأساسي هو ألا يكون الشخص المطلوب مساءلته هو نفسه الشخص الذي يملك وحده إدارة آلية المساءلة.

سادساً: المقترح القانوني
نقترح إعادة النظر في النصوص المنظمة لإدارة اجتماعات الجمعيات العمومية للمصارف، سواء في قانون الشركات لسنة 2015، أو في النظام الأساسي للمصرف، أو في لوائح وضوابط بنك السودان المركزي ذات الصلة، بما يضمن الآتي:
1. انتخاب رئيس الجمعية العمومية
أن يكون للجمعية العمومية الحق في انتخاب رئيس للجلسة من بين المساهمين الحاضرين، على أن يكون مستقلاً عن مجلس الإدارة في إدارة الاجتماع.
2. عدم احتكار جدول الأعمال
أن يظل جدول الأعمال خاضعاً للضوابط القانونية، مع منح المساهمين الذين تتوافر فيهم النسبة القانونية اللازمة حق طلب إدراج موضوعات محددة في جدول الأعمال.
3. حق المساهم في المناقشة
ضمان حق كل مساهم في توجيه الأسئلة والاستفسارات المتعلقة بالبنود المطروحة، وفي حدود القانون والنظام الأساسي.
4. حق الاقتراح
تمكين المساهمين من تقديم مقترحات وقرارات مرتبطة بالموضوعات المطروحة، متى كانت داخلة في اختصاص الجمعية العمومية.
5. التصويت الحقيقي
إذا قدم مساهم مقترحاً يدخل في اختصاص الجمعية العمومية، فلا ينبغي أن يكون رفض طرحه للتصويت قراراً شخصياً لرئيس الجلسة، وإنما يجب أن يخضع الأمر للقانون واللائحة الإجرائية وقرار الجمعية.
6. إثبات المداولات في المحضر
ينبغي أن تتضمن محاضر الجمعية العمومية بصورة دقيقة:
الموضوعات المطروحة.
الأسئلة الجوهرية التي أثارها المساهمون.
ردود مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.
المقترحات المقدمة.
نتائج التصويت.
الأصوات المؤيدة والمعارضة والممتنعة متى كان ذلك مطلوباً.
أي تحفظات أو اعتراضات جوهرية.
فالمحضر ليس مجرد إجراء شكلي؛ بل هو الوثيقة التي تثبت ما جرى داخل الجمعية.
7. مراقب مستقل
نقترح أن يكون لمراقب بنك السودان المركزي الحاضر للجمعية دور أكثر فاعلية في التأكد من الالتزام بضوابط الحوكمة، وليس مجرد حضور شكلي.
8. آلية للطعن
ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة تمكّن المساهم من الاعتراض على أي إجراء يرى أنه حرم الجمعية من ممارسة اختصاصها أو حرم المساهمين من حقوقهم، مع تحديد الجهة المختصة بالنظر في الاعتراض والمدة والإجراء.

سابعاً: المسألة لا تتعلق بمصرف المزارع التجاري وحده
إن تجربة مصرف المزارع التجاري ينبغي ألا تُنظر إليها باعتبارها خلافاً بين مساهمين ومجلس إدارة فحسب.
فالقضية أوسع من ذلك.
إنها قضية حوكمة مصرفية، وقضية حماية حقوق المساهمين، وقضية استقلال الجمعية العمومية، وقضية الفصل بين سلطة الملكية وسلطة الإدارة.
وإذا تحولت الجمعيات العمومية للمصارف إلى مجرد مناسبة لإجازة ما أعده مجلس الإدارة مسبقاً، فإن الغاية الأساسية من الجمعية العمومية تتآكل تدريجياً.
فالجمعية العمومية ليست مكتب علاقات عامة لمجلس الإدارة، وليست منصة لإلقاء التقارير، وليست جلسة للاستماع إلى شكاوى المساهمين دون أن يكون لها أثر.
الجمعية العمومية هي المكان الذي يمارس فيه المساهمون سلطتهم

ثامناً: المطلوب من الجهات المختصة
وعليه، فإننا نطرح هذه القضية أمام:
بنك السودان المركزي، والمسجل التجاري، ووزارة العدل، والمساهمين في المصارف السودانية، ومجالس الإدارات، والجهات المختصة بالرقابة على الشركات والمصارف.
ونطالب بمراجعة الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم اجتماعات الجمعيات العمومية للمصارف، والتأكد من أن النصوص لا تمنح مجلس الإدارة سلطة تجعل الجمعية العمومية عاجزة عن ممارسة اختصاصاتها.
كما ندعو إلى نشر نموذج إجرائي موحد لاجتماعات الجمعيات العمومية للمصارف يحدد بوضوح:
من يدعو إلى الاجتماع؟
من يضع جدول الأعمال؟
من يرأس الجلسة؟
من يملك تعديل جدول الأعمال؟
كيف يقدم المساهم مقترحاً؟
متى يصبح المقترح واجب الطرح للتصويت؟
كيف تسجل الاعتراضات؟
كيف تثبت المداولات في المحضر؟
وكيف يمكن الطعن في قرارات أو إجراءات الاجتماع؟
هذه التفاصيل قد تبدو إجرائية، لكنها في الحقيقة تمثل جوهر الحوكمة.
الخلاصة
إن قوة المؤسسة لا تقاس فقط بقوة مجلس إدارتها، وإنما بقدرتها على محاسبة مجلس إدارتها.
والمصرف الذي تكون فيه الجمعية العمومية قوية وقادرة على السؤال والمناقشة والتصويت والمساءلة هو مصرف أكثر قدرة على حماية أموال المساهمين وتعزيز الثقة في مؤسساته.
أما أن تكون الجمعية العمومية صاحبة السلطة العليا على الورق، بينما تتحكم السلطة التنفيذية أو مجلس الإدارة في جدول أعمالها، وإدارة جلساتها، ومسار مناقشاتها، ومآلات قراراتها، فهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً:
إذا كان المساهمون هم الملاك، وإذا كانت الجمعية العمومية هي التي تنتخب مجلس الإدارة، فمن يحاسب من؟
إن المطلوب ليس جمعية عمومية تتحدث فقط، وإنما جمعية عمومية تملك أن تقرر.
ولذلك نقول:
الجمعية العمومية… سلطة بلا سلطان؟
والحل ليس في إلغاء سلطتها، وإنما في إعادة السلطة إليها.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى