مقالات

احمد عبدالرحمن العالم يكتب : حين يتجسد الكرم في إنسان… الحاج أبكر عبدالكريم .. سيرة رجلٍ صنع مجدَه بالعطاء

متابعات مرآة-السودان : حين يتجسد الكرم في إنسان... الحاج أبكر عبدالكريم .. سيرة رجلٍ صنع مجدَه بالعطاء

حين يتجسد الكرم في إنسان… الحاج أبكر عبدالكريم .. سيرة رجلٍ صنع مجدَه بالعطاء

رجال يرحلون

هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون أحياءً في وجدان الناس، لأن سيرتهم تُكتب بأفعالهم لا بأقوالهم، ولأن بصماتهم في حياة الآخرين تبقى أقوى من أن تمحوها الأيام. ومن هؤلاء الأفذاذ الحاج أبكر عبدالكريم لم الدين داؤود عليان، الذي لم يكن مجرد تاجرٍ ناجح أو وجيهٍ اجتماعي، بل كان مدرسةً في الكرم، والإحسان، والإصلاح، حتى أصبح اسمه مرادفًا للعطاء في منطقة الدبكر.

ولد الحاج أبكر في الأول من يناير عام 1937 بمنطقة بورو بولاية جنوب دارفور، ونشأ في بيئة غرست فيه قيم الشهامة والمروءة والصدق، فكانت تلك القيم زاده في رحلة عمره. وفي عام 1961 شد رحاله إلى منطقة الدبكر وهو في مقتبل العمر، ليبدأ مرحلة جديدة صنعت منه أحد أبرز رجالاتها وأكثرهم أثرًا في مجتمعها.

استهل حياته بالعمل في الزراعة، ثم انتقل إلى التجارة، فالتحق عام 1963 بالعمل مع الحاج علي السنوسي. ولم تمضِ فترة طويلة حتى لمس فيه رب العمل الأمانة والإخلاص وحسن التصرف، فأتمنه على ماله، ثم افتتح له متجرًا مستقلًا، وزوّجه كريمته أم الحسن علي السنوسي، لتبدأ رحلة أسرة عُرفت فيما بعد بالنجاح، والاستقامة، وخدمة المجتمع.

ورزقه الله أبناءً وبناتٍ ساروا على نهجه في الجد والاجتهاد، وأسهم كل واحد منهم في مجاله، وهم:

رجل الأعمال عبدالكريم أبكر عبدالكريم.

رجل الأعمال محمد أبكر عبدالكريم.

رجل الأعمال بكري أبكر عبدالكريم.

الدكتور علي أبكر عبدالكريم.

الأستاذة سلمى أبكر عبدالكريم.

الدكتورة ماجدة أبكر عبدالكريم.

الباشمهندس المعز أبكر عبدالكريم.

ولم يقتصر عطاؤه على أسرته الصغيرة، بل اتسعت مظلة رحمته لتشمل أبناء شقيقه المرحوم محمد عبدالكريم، إذ احتضنهم في منزله بعد وفاة والدهم، وتولى رعايتهم وتربيتهم حتى أصبحوا من أبناء المجتمع الناجحين والفاعلين، وهم:

رجل الأعمال إسماعيل محمد عبدالكريم.

الأستاذ أبكر محمد عبدالكريم.

رجل الأعمال أحمد محمد عبدالكريم.

المربية حليمة محمد عبدالكريم.

الأستاذ علي محمد عبدالكريم.

وفي عام 2006 غادر الدبكر إلى الخرطوم بسبب ظروفه الصحية، إلى أن لبّى نداء ربه في الثامن من نوفمبر عام 2021، الموافق الثالث من ربيع الآخر 1443هـ.

غير أن رحيله لم يكن نهاية حضوره، فقد ترك إرثًا إنسانيًا واجتماعيًا لا يزال حيًا في ذاكرة كل من عرفه.

كان منزله مفتوحًا لكل وافد إلى الدبكر، فلا يكاد يصلها غريب إلا ويجد عنده المأوى، والطعام، وحسن الاستقبال. وكان يتفقد المسافرين في المطاعم والمقاهي، فإذا رأى غريبًا أو محتاجًا أخذه إلى منزله، وأكرمه بما يليق بكرامة الضيف السوداني.

وكان يقف إلى جانب الموظفين وأصحاب الدخل المحدود، فيقرضهم من ماله حتى موعد استلام مرتباتهم، دون منٍّ أو أذى، إيمانًا منه بأن تفريج كربة المسلم من أعظم القربات.

أما الطلاب القادمون من القرى المجاورة، فقد كانوا يجدون عنده وجبة الإفطار كل صباح، وكان يحرص ألا يبدأ أحدهم يومه الدراسي جائعًا، مؤمنًا بأن بناء الإنسان يبدأ بدعم طالب العلم.

وخلال سنوات الجفاف وشح الموارد، فتح مخازنه للفقراء والمساكين، وسخّر إمكاناته لخدمة الناس، حتى أصبح ملاذًا لأهل المنطقة بعد الله سبحانه وتعالى في أوقات الشدة والأزمات.

ولم يكن عطاؤه ماديًا فحسب، بل كان حاضرًا في كل مشروع يخدم المجتمع، عضوًا فاعلًا في اللجان الشعبية والخدمية، وممولًا لكثير من مشروعاتها، وداعمًا لمبادرات التنمية، والإصلاح، وجمع الكلمة.

وكان من أكثر الناس حضورًا في الجوديات والإصلاحات القبلية، يعمل على رأب الصدع، وتقريب وجهات النظر، وإخماد الفتن، حتى لم يُعرف عنه خصومة مع أحد، بل عرفه الجميع رجلًا يسعى للمحبة والوئام، ويؤمن بأن إصلاح ذات البين من أجلّ الأعمال.

ولهذا استحق عن جدارة الألقاب التي أطلقها عليه أهل المنطقة، مثل “الراجل برجاله” و**”الكريم بأم عياله”**، وهي ألقاب لم تُمنح له مجاملة، وإنما كانت شهادة صادقة من مجتمع عرفه عن قرب، ورأى مواقفه في السراء والضراء.

أما ديوانه، فقد أصبح بيتًا لكل أهل الدبكر، يستقبل فيه المسؤولين، والأعيان، والضيوف، والمسافرين، وأبناء القرى، حتى غدا يُعرف بين الناس بـ”ديوان الدبكر”، لما مثّله من ملتقى للتواصل، والتكافل، وحل المشكلات.

وكان شديد التواضع، لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين كبير وصغير، ولا يرد صاحب حاجة، بل كان يبادر إلى مساعدته قبل أن ينطق بطلبه.

وامتدت علاقاته الطيبة إلى أبناء جنوب السودان، فشاركهم أفراحهم ومناسباتهم، وبادلوه المحبة والوفاء، حتى اعتادوا الاحتفال بأعيادهم أمام منزله، تعبيرًا عن تقديرهم لما وجدوه منه من حسن معاملة وصدق مودة.

ومن أبلغ المواقف التي تجسد معدنه الأصيل، أنه حتى بعد أن أقعده المرض، ظل يشير بيده لأهل بيته بضرورة إكرام الضيوف، وكأن الكرم أصبح جزءًا من روحه لا يفارقه.

كما كان يخصص الطعام يوميًا للطيور، وظل هذا دأبه حتى آخر أيامه. ويروي كثيرون أن الطيور ظلت تحلق فوق موكب تشييعه في مشهد مؤثر، استحضره الناس وفاءً لرجل أحسن إلى الإنسان والحيوان معًا.

وتولى كذلك رعاية عدد من الأسر المحتاجة بصورة كاملة، وكان وصيًا عليها، وأسهم في مختلف المبادرات الخيرية والتنموية التي شهدتها المنطقة، فلم يتردد يومًا في تقديم ما يستطيع، ابتغاءً لوجه الله وخدمةً للناس.

لقد عاش الحاج أبكر عبدالكريم لم الدين داؤود عليان كريمًا، ورحل كريمًا، لكنه ترك خلفه ثروةً لا تُقاس بالأموال، بل بالمحبة الصادقة، والدعوات الطيبة، والسيرة الحسنة التي ما زالت تتناقلها الألسن جيلًا بعد جيل.

وهكذا يثبت أن الإنسان لا يخلّده ما جمع من مال، وإنما ما زرع من خير، وما خلّفه من أثر طيب في قلوب الناس. فالسيرة الحسنة هي العمر الثاني للإنسان، وهي الإرث الذي يبقى حين يرحل كل شيء

رحم الله الحاج أبكر عبدالكريم لم الدين داؤود عليان رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل كل ما قدمه من خيرٍ وبرٍ وإحسان في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وجزاه عن أهله ومجتمعه خير الجزاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى