د. حسين العالم يكتب :الغربال + آمال «تكوين» وواقع الكيانات الوطنية.. هل ينجح المشروع في رأب الصدع
متابعات مرآة-السودان.. آمال «تكوين» وواقع الكيانات الوطنية.. هل ينجح المشروع في رأب الصدع

آمال «تكوين» وواقع الكيانات الوطنية.. هل ينجح المشروع في رأب الصدع؟”
تُعد مبادرة “تكوين” واحدة من أكثر المبادرات السودانية طموحاً، لأنها لا تنطلق من سؤال من يحكم السودان، وإنما من سؤال أكثر عمقاً: كيف يُعاد بناء المجتمع السوداني نفسه؟ فالأزمة السودانية لم تعد أزمة سلطة أو دستور أو انتخابات فحسب، بل أصبحت أزمة تفكك في البنية الاجتماعية، بعد أن تحولت معظم المكونات الوطنية إلى أدوات للاستقطاب السياسي، وفقدت كثيراً من وظائفها الأصلية.
فالقبيلة لم تعد مجرد إطار للتكافل الاجتماعي، والطرق الصوفية لم تعد في كثير من الأحيان منابر للتربية والإصلاح، والإدارة الأهلية لم تعد تؤدي دورها التقليدي في السلم الأهلي كما ينبغي، والأحزاب نفسها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات للصراع أكثر من كونها مؤسسات لبناء الدولة. ونتيجة لذلك، انقسمت هذه المكونات على نفسها، قبل أن ينقسم الوطن بأسره.
ومن هنا تبرز الإشكالية الكبرى: هل يمكن جمع هذه المكونات المتناقضة داخل مشروع وطني واحد دون أن تنتقل تناقضاتها إلى داخله؟
الإجابة ليست في إلغاء هذه المكونات، ولا في الإبقاء على واقعها الحالي، وإنما في إعادة تعريف وظيفتها الوطنية.
لقد تعاملت الأنظمة السياسية المتعاقبة مع القبيلة والإدارة الأهلية والطرق الصوفية باعتبارها أدوات للوصول إلى السلطة أو تثبيت الحكم، فتارة ألغتها، وتارة أعادتها، وتارة تدخلت في اختيار قياداتها، حتى أصبحت هذه المؤسسات نفسها ضحية للاستقطاب، وفقدت كثيراً من استقلاليتها وهيبتها.
ولذلك فإن الأزمة ليست في وجود القبيلة أو الطريقة الصوفية، وإنما في التوظيف السياسي الذي أخرجها من رسالتها الطبيعية.
فالقبيلة في أصلها مؤسسة للتكافل الاجتماعي، وحفظ السلم الأهلي، وصيانة العادات الإيجابية، وليست حزباً سياسياً. والطرق الصوفية مؤسسات للتربية والإصلاح الروحي ونشر قيم التسامح، وليست أدوات للتعبئة الانتخابية. والإدارة الأهلية وُجدت لحل النزاعات المحلية وخدمة المجتمعات، لا لتكون جزءاً من صراعات السلطة.
ومن هنا فإن نجاح “تكوين” يتوقف على قدرتها على إعادة هذه المؤسسات إلى وظائفها الأصلية، لا على تحويلها إلى تحالف سياسي جديد.
وفي هذا السياق، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات على الطرح التقليدي لقضية الزعامات المجتمعية.
أولاً، ليس صحيحاً أن الدولة الحديثة تقتضي إنهاء دور القبيلة أو الإدارة الأهلية أو الطرق الصوفية؛ فالتجارب الدولية تثبت أن كثيراً من الدول القوية احتفظت بمؤسساتها التقليدية، لكنها أخضعتها للقانون، وحددت وظائفها، ومنعتها من منافسة الدولة.
ثانياً، ليس من الحكمة أيضاً الإبقاء على هذه المؤسسات بصورتها الحالية، لأن استمرار الاستقطاب الحزبي داخلها سيجعلها جزءاً من الأزمة، لا جزءاً من الحل.
ثالثاً، لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا تعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد تابعين للقيادات التقليدية، كما لا يمكنه النجاح إذا تجاهل خبرة القيادات التاريخية. المطلوب هو بناء شراكة بين الحكمة المتراكمة والطاقة المتجددة.
أما التحدي الأكبر أمام “تكوين” فهو أنها ستجمع داخل مشروع واحد مكونات تحمل رؤى متباينة، بل ومتعارضة أحياناً. ولهذا فإن نجاحها لن يكون مرهوناً باتفاق الجميع على الأفكار، وإنما باتفاقهم على قواعد إدارة الاختلاف. فالمطلوب ليس إزالة التعدد، وإنما تنظيمه.
ولذلك فإن المبادرة تحتاج إلى ميثاق وطني واضح يقوم على مبادئ أساسية، أهمها:
تقديم المواطنة على جميع الولاءات الفرعية.
احترام التنوع القبلي والثقافي والديني بوصفه ثراءً وطنياً لا سبباً للصراع.
منع استغلال القبيلة أو الطرق الصوفية أو الإدارة الأهلية في المنافسة السياسية.
الفصل بين الوظيفة الاجتماعية لهذه المؤسسات وبين العمل الحزبي.
بناء دولة قوية تكون المرجعية النهائية للجميع.
كما تحتاج المبادرة إلى إنشاء مؤسسات للحوار الدائم بين الأحزاب والإدارة الأهلية والطرق الصوفية والشباب والمرأة، بحيث تتحول هذه اللقاءات إلى آلية مستمرة لصناعة التوافق الوطني، بدلاً من انتظار انفجار الأزمات.
ومن الضروري أيضاً إعادة تأهيل الإدارة الأهلية والطرق الصوفية عبر برامج تدريبية في الإدارة المحلية، والوساطة، وإدارة النزاعات، والتنمية المجتمعية، حتى تصبح شريكاً في البناء لا مجرد إرث تاريخي.
إن السودان لا يحتاج إلى صراع جديد بين دعاة الحداثة وأنصار الموروث، بل يحتاج إلى صيغة وطنية توحد بين قوة المؤسسة الحديثة وعمق المجتمع التقليدي. فلا الدولة تستطيع أن تبني الاستقرار إذا تجاهلت المجتمع، ولا المجتمع يستطيع أن يحمي نفسه إذا غابت الدولة.
وهنا تكمن الفكرة الجوهرية التي ينبغي أن تقوم عليها “تكوين”؛ فهي ليست مشروعاً لإحياء القبيلة، ولا لإحياء الطائفة، ولا لإحياء الأحزاب بصورتها القديمة، وإنما مشروع لإحياء الوظيفة الوطنية لكل هذه المكونات داخل إطار الدولة.
فحين تستعيد القبيلة دورها الاجتماعي، وتستعيد الطرق الصوفية رسالتها التربوية، وتستعيد الإدارة الأهلية وظيفتها في السلم الأهلي، وتعود الأحزاب إلى التنافس على البرامج لا على الهويات، يصبح من الممكن أن يتحول التنوع السوداني من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة.
الخاتمة
إن التحدي الحقيقي أمام مبادرة “تكوين” ليس جمع المكونات السودانية حول طاولة واحدة، وإنما إعادة بناء الثقة بينها، وتحريرها من إرث الاستقطاب السياسي الذي أضعفها جميعاً. فإذا نجحت في تحويل القبيلة من ولاء مغلق إلى رابطة اجتماعية، والطرق الصوفية من أدوات استقطاب إلى مدارس للأخلاق والإصلاح، والإدارة الأهلية من ساحة نفوذ إلى مؤسسة للسلم المجتمعي، فإنها ستكون قد وضعت اللبنة الأولى في مشروع وطني جديد.
فالنهضة لا تبدأ بإلغاء الموروث، ولا بتقديسه، وإنما بتجديده وتوجيهه لخدمة الوطن. وهذا هو التحدي الذي ينتظر السودان، وهو الاختبار الحقيقي الذي ينتظر مبادرة “تكوين”.







