د. حسين العالم يكتب الغربال +يأيها الناس انتبهوا الخلاص بوحدة الحق
متابعات مرآة-السودان د. حسين العالم يكتب الغربال +يأيها الناس انتبهوا الخلاص بوحدة الحق

يأيها الناس انتبهوا الخلاص بوحدة الحق
لماذا يبدو العالم وكأنه عالق في دائرة لا تنتهي من الصراع؟ لماذا تتحول اختلافات طبيعية بين البشر إلى نزاعات مريرة وحروب مدمرة؟ السؤال في ظاهره معقد، لكنه في جوهره بسيط: لقد فقد الإنسان البوصلة التي تهديه، فاختلط عليه الحق بالباطل، واستبدل الميزان الحقيقي بميزان زائف.
الحقيقة التي لا يختلف عليها عقل سليم ولا رسالة سماوية هي أن الإنسان واحد في أصله، وأن خالقه واحد، وأن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه واضح في جوهره، مهما تعددت الشرائع وتنوعت التفاصيل. حين خلق الله الإنسان من نفس واحدة، لم يخلق معه صراعًا بين الأعراق أو الأمم، بل جعله كائنًا مكرمًا، قادرًا على الاختيار، حاملًا لأمانة عظيمة هي التمييز بين الحق والباطل.
ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية: لم يكن الصراع يومًا بين إنسان وإنسان لذاته، بل كان – في أصله – بين منهجين؛ منهج يقوم على العدل والحق، وآخر يقوم على الظلم والهوى. غير أن هذا الفهم تبدل مع الزمن، حين انحرف الإنسان عن فطرته، فحوّل الصراع إلى صراع هويات: هذا عربي وذاك أعجمي، هذا من طائفة وتلك من أخرى، هذا شرق وذاك غرب.
بهذا التحول، لم يعد الحق هو المعيار، بل أصبح الانتماء هو الحكم. فأصبح الإنسان ينصر من يشبهه، لا من يوافق الحق، ويعادي من يختلف معه، لا من يخالف العدل. وهنا بدأت المأساة الحقيقية، حين صار الظلم مقبولًا إذا صدر من “القريب”، ومرفوضًا فقط إذا جاء من “الآخر”.
في مقابل هذا الانحراف، جاءت الرسالات السماوية كلها لتعيد الإنسان إلى الأصل: إلى ميزان العدل، وإلى وحدة القيم، وإلى أن العلاقة بين البشر ينبغي أن تقوم على ما يجمعهم لا ما يفرقهم. فالعدل، والرحمة، وحفظ الكرامة، وعدم الاعتداء… كلها ليست مبادئ مثالية، بل شروط لبقاء الإنسان واستقرار المجتمعات.
ومن أعمق ما يلفت النظر أن هذه القيم لا ترتبط بدين معين أو حضارة بعينها، بل هي ممتدة في كل الرسالات، لأنها تمثل جوهر “الحق”. ولذلك، فإن أي مجتمع يلتزم بها يقترب من الاستقرار، وأي مجتمع يهملها يقترب من السقوط، مهما كانت شعاراته.
وهنا نصل إلى نقطة دقيقة كثيرًا ما يغفل عنها الناس: النصر ليس نتيجة الانتماء، بل نتيجة الالتزام. فالله لا ينصر جماعة لأنها تحمل اسمًا معينًا، بل ينصر من يقيم العدل ويجتنب الظلم. ولهذا كان الوعد الإلهي مشروطًا: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾، أي إن تلتزموا بمنهجه وتقوموا بحقه.
ونصرة الله لا تعني مجرد الشعارات، بل تعني أن يكون الإنسان صادقًا في نفسه، عادلًا في تعامله، قائمًا بالحق ولو على نفسه، ساعيًا في إصلاح مجتمعه. تعني أن يقف مع المظلوم، وأن يمنع الظالم، وأن يزن الأمور بميزان العدل لا بميزان الهوى.
لكن هذا الطريق لا يُسلك على مستوى الأفراد فقط، ولا على مستوى الجماعات وحدها، بل هو تكامل بين الاثنين. فالفرد مسؤول عن نفسه، عن نقائه وعدله والتزامه، والمجتمع مسؤول عن إقامة العدل ومنع الظلم وتنظيم الحياة على أساس الحق. وإذا اختل أحد الجانبين، اختل التوازن كله.
إن أزمة العالم اليوم ليست في قلة الموارد، ولا في غياب القوة، بل في غياب هذا الميزان. ميزان يجعل “الحق” هو المرجع الأعلى، لا المصلحة، ولا الهوية، ولا القوة. ولو عاد الإنسان إلى هذا الأصل، لتغيرت طبيعة الصراع كله؛ فبدل أن يكون صراعًا بين البشر، يصبح صراعًا ضد الظلم أينما كان، ومع العدل أينما وجد.
العودة إلى هذا الطريق لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى مراجعة صادقة. تبدأ من إعادة تعريف “الآخر”، ليس كخصم دائم، بل كإنسان يشاركني الأصل، وقد يختلف معي في الفهم. وتستمر ببناء وعي جديد يقوم على أن الكرامة إنسانية، وأن التفاضل أخلاقي، وأن العدل لا يتجزأ.
وحين يستعيد الإنسان هذا الفهم، يدرك أن الخلاص ليس في الانتصار لجماعة، بل في الانتصار للحق نفسه. وأن النصر الحقيقي ليس أن تغلب غيرك، بل أن تقوم بالعدل، وتثبت عليه، وتمنع الظلم، ولو كان الثمن صعبًا.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل إنسان: أين يقف؟
هل يقف مع الانتماء، أم مع الحق؟
مع الهوى، أم مع العدل؟
الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد مصير الأفراد، ومصير الأمم، بل ومصير الإنسانية كلها.
فطريق “وحدة الحق” ليس طريقًا سهلًا، لكنه الطريق الوحيد الذي لا ينتهي بصراع، بل بخلاص.











