مقالات

د.حسين العالم يكتب الغربال + عودة لجنة إزالة التمكين من الخارج: تفكيك سياسي أم تعميق للأزمة

متابعات-مرآة السودان عودة لجنة إزالة التمكين من الخارج: تفكيك سياسي أم تعميق للأزمة

عودة لجنة إزالة التمكين من الخارج: تفكيك سياسي أم تعميق للأزمة؟

 

في تطور جديد يعكس تعقيدات المشهد السوداني، أعلنت لجنة إزالة التمكين عن استئناف عملها بعد سنوات من التوقف، لكن هذه المرة من خارج إطار السلطة الرسمية، ومعتمدة – بشكل غير مباشر – على أدوات الضغط الدولي، خاصة بعد تصنيف الولايات المتحدة للحركة الإسلامية كتنظيم إرهابي. هذه الخطوة تثير أسئلة جوهرية حول الشرعية، والقانون، والعدالة، ومستقبل الصراع السياسي في السودان.

أولاً: التأسيس القانوني للجنة وسياقها التاريخي

تأسست لجنة إزالة التمكين عقب ثورة ديسمبر 2018، بموجب قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين واسترداد الأموال العامة لسنة 2019، والذي استند بدوره إلى الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية.

كان الهدف الأساسي من إنشائها:

تفكيك بنية نظام الإنقاذ

استرداد الأموال المنهوبة

إنهاء سيطرة الحزب الحاكم السابق على مؤسسات الدولة

وقد مُنحت اللجنة صلاحيات واسعة، شملت:

مصادرة الممتلكات

حل المؤسسات والواجهات التنظيمية

إنهاء خدمات موظفين بدعوى التمكين

ثانياً: إشكالية الصلاحيات وفصل السلطات

رغم الأهداف المعلنة، أثارت اللجنة جدلاً قانونياً واسعاً بسبب طبيعة صلاحياتها، حيث جمعت عملياً بين:

سلطة التحري

سلطة الاتهام

سلطة اتخاذ القرار الإداري التنفيذي

وهذا يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يقتضي:

أن تكون النيابة جهة الاتهام

والقضاء جهة الفصل

والتنفيذ عبر أجهزة الدولة

غياب هذا التوازن أدى إلى:

الطعن في عدد من قرارات اللجنة أمام القضاء

اتهامات باستخدام القانون لتصفية الخصوم السياسيين

تآكل الثقة في مفهوم العدالة الانتقالية

ثالثاً: أسباب حل اللجنة وتوقفها

توقف عمل اللجنة بعد إجراءات أكتوبر 2021، حيث فقدت الغطاء السياسي والتنفيذي الذي كانت تستند إليه، كما أبطلت المحاكم بعض قراراتها، ما كشف هشاشة الأساس القانوني لبعض ممارساتها.

أهم أسباب التعثر:

تسييس القرارات

ضعف الإجراءات القانونية

غياب الضمانات العدلية

تضارب الصلاحيات

رابعاً: عودة اللجنة في 2026… إشكالية الشرعية

إعلان عودة اللجنة اليوم يطرح إشكالاً قانونياً جوهرياً:

اللجنة لا تستند إلى سلطة تنفيذية قائمة

تعمل من خارج السودان

تفتقر لأدوات التنفيذ داخل الدولة

وبالتالي، فإن وضعها الحالي أقرب إلى:

كيان سياسي/إعلامي، وليس جهازاً قانونياً رسمياً

خامساً: التحول نحو الخارج… واستغلال التصنيف الأمريكي

الجديد في هذه المرحلة هو اعتماد اللجنة على البيئة الدولية، خاصة بعد تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً.

الآلية المتوقعة:

تقديم ملفات ومعلومات للجهات الدولية

استخدام هذه المعلومات لتجميد أصول مالية بالخارج

الضغط عبر النظام المالي العالمي

لكن هذه المقاربة تثير عدة إشكالات:

ربط العدالة الوطنية بإرادة خارجية

تحويل الصراع السياسي إلى ساحة دولية

الطعن في استقلال القرار الوطني

سادساً: هل تكرر اللجنة أخطاء الماضي؟

هناك مخاوف حقيقية من أن تقع اللجنة في نفس الأخطاء السابقة، وأبرزها:

توظيف العدالة لأغراض سياسية

غياب الشفافية في الإجراءات

استهداف خصوم بعينهم دون إطار قانوني متوازن

بل إن الاعتماد على الخارج قد يزيد من حدة الانتقادات، حيث قد يُنظر إلى ذلك باعتباره:

استقواءً بالخارج على حساب السيادة الوطنية

سابعاً: الآثار المتوقعة على السودان

1. سياسياً

تعميق الاستقطاب بين القوى السياسية

إضعاف فرص الحوار الوطني

تحويل الصراع إلى صراع صفري

2. قانونياً

إرباك المشهد العدلي

تداخل المرجعيات (محلية vs دولية)

إضعاف الثقة في مؤسسات العدالة

3. اجتماعياً

زيادة الانقسام داخل المجتمع

تغذية خطاب الكراهية والإقصاء

ثامناً: التأثير على الحركة الإسلامية

تضييق مالي خارجي محتمل

زيادة العزلة السياسية

احتمال تفكك داخلي

لكن في المقابل:

قد تستخدم الحركة هذه الخطوة لتعبئة أنصارها

تعزيز خطاب “الاستهداف السياسي”

تاسعاً: بين العدالة والانتقام

الشعب السوداني لا يرفض محاسبة الفساد، بل يطالب بها بشدة، لكن الإشكالية ليست في الهدف، بل في الوسيلة.

فالعدالة الحقيقية تقوم على:

الشفافية

استقلال القضاء

حق الدفاع

سيادة القانون

أما تجاوز هذه المبادئ، فيحوّل العدالة إلى:

أداة صراع سياسي لا أداة إصلاح وطني

عاشراً: الحلول الممكنة لتجاوز الأزمة

لتفادي استمرار الصراع الصفري، يحتاج السودان إلى:

إصلاح قضائي شامل

بناء قضاء مستقل وقوي

إلغاء اللجان الاستثنائية

آلية عدالة انتقالية متفق عليها

لجان مستقلة بإشراف قضائي

ضمانات قانونية واضحة

حوار وطني شامل

إشراك كل القوى دون إقصاء

الاتفاق على قواعد جديدة للعبة السياسية

فصل السياسة عن العدالة

عدم استخدام القانون كسلاح سياسي

تحييد مؤسسات الدولة

خاتمة

عودة لجنة إزالة التمكين بصيغتها الجديدة لا تعكس فقط رغبة في استكمال التفكيك، بل تكشف عن عمق الأزمة السودانية، حيث تتداخل السياسة بالقانون، والداخل بالخارج، والعدالة بالصراع.

وبينما يبقى تفكيك الفساد مطلباً مشروعاً، فإن الطريق إليه لا يمكن أن يمر عبر أدوات استثنائية أو خارجية، بل عبر دولة قانون حقيقية، يكون فيها العدل أساس الحكم، لا أداة للخصومة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى