د. حسين العالم يكتب الغربال+ياسر العطا بين السيادة والميدان: هل يقود تعيينه رئيساً للأركان إلى حسم الحرب في السودان
متابعات مرآةـالسودان ياسر العطا بين السيادة والميدان: هل يقود تعيينه رئيساً للأركان إلى حسم الحرب في السودان

ياسر العطا بين السيادة والميدان: هل يقود تعيينه رئيساً للأركان إلى حسم الحرب في السودان
في خضم حرب معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة، يبرز تعيين الفريق أول ركن ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان في الجيش السوداني كخطوة تتجاوز الطابع الإداري، لتدخل مباشرة في صميم معادلة الصراع العسكري والسياسي في البلاد. فهذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة المرحلة، ولا عن شخصية العطا التي تمثل تقاطعاً واضحاً بين النفوذ العسكري والدور السياسي.
يمثل منصب رئيس هيئة الأركان قمة الهرم التنفيذي العسكري، حيث تتركز فيه مسؤوليات إدارة العمليات الميدانية، والتخطيط الاستراتيجي، والإشراف على الجاهزية القتالية والتدريب، إلى جانب تنسيق الجهود بين القوات البرية والجوية والبحرية. في المقابل، فإن عضوية مجلس السيادة تُعد موقعاً سيادياً سياسياً أعلى من حيث الشكل البروتوكولي، إذ يشارك العضو في اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالدولة، بما في ذلك إعلان الحرب والطوارئ، وتعيين كبار المسؤولين، والمصادقة على القوانين والاتفاقيات.
غير أن المفارقة في الحالة السودانية، خاصة في ظل الحرب، تكمن في أن السلطة الفعلية تميل إلى الميدان أكثر من المؤسسات، ما يجعل من رئاسة الأركان موقعاً بالغ التأثير، وربما أكثر حسماً من المواقع السيادية ذات الطابع السياسي. ومن هنا، فإن انتقال العطا إلى هذا المنصب لا يُعد تراجعاً في المكانة، بقدر ما هو إعادة تموضع نحو مركز الفعل الحقيقي.
ياسر العطا ليس مجرد قائد عسكري تقليدي؛ فهو أحد الضباط الذين تدرجوا في مواقع العمليات، وشارك في محطات مفصلية من تاريخ السودان الحديث، بما في ذلك أحداث 2019، كما أنه ظل فاعلاً داخل مجلس السيادة، ما منحه خبرة سياسية موازية لمسيرته العسكرية. هذا المزج بين البعدين يمنحه قدرة خاصة على الربط بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني، لكنه في الوقت نفسه يجعله شخصية مثيرة للجدل، تتباين حولها التقييمات بين مؤيد يرى فيه قائداً حاسماً، ومعارض يعتبره جزءاً من تعقيدات المشهد.
داخلياً، يمكن تفسير هذا التعيين باعتباره توجهاً نحو تعزيز القيادة الميدانية وتوحيد القرار العملياتي في ظل تحديات الحرب. كما قد يعكس إعادة ترتيب داخل هرم القيادة العسكرية، سواء في إطار توزيع أدوار بين القيادات، أو في سياق بروز شخصيات ذات ثقل متزايد داخل المؤسسة العسكرية.
أما على مستوى تأثيره في مسار الحرب، فإن نجاح العطا في موقعه الجديد قد ينعكس في تحسين التنسيق بين الوحدات العسكرية، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار، ورفع الروح المعنوية للقوات، وهو ما قد يقود إلى تحقيق تقدم ميداني ملموس. في المقابل، فإن أي تعثر قد يفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات، سواء على مستوى إدارة العمليات أو داخل بنية القيادة نفسها، خاصة إذا تداخلت الاعتبارات السياسية مع القرارات العسكرية.
خارجياً، يُقرأ هذا التعيين في سياق أوسع يعكس ميلاً نحو تغليب الخيار العسكري، وهو ما قد يثير قلق بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي تدفع باتجاه تسوية سياسية. كما قد يُنظر إلى العطا كشخصية قوية ميدانياً، لكنها حادة في خطابها، ما قد يجعل التعامل معها دبلوماسياً أكثر تعقيداً.
في المحصلة، فإن تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان يعكس تحولاً في أولويات القيادة السودانية، من إدارة التوازنات السياسية إلى السعي لحسم المعركة على الأرض. وبينما يفتح هذا القرار الباب أمام احتمال تحقيق اختراق عسكري، فإنه يحمل في طياته أيضاً مخاطر إطالة أمد الصراع إذا لم يُقترن برؤية سياسية موازية.
وهكذا، يقف العطا اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن ينجح في ترجمة خبرته إلى إنجاز ميداني يعيد رسم ملامح المرحلة، أو أن يصبح جزءاً من تعقيداتها، في حرب لا تزال مفتوحة على جميع السيناريوهات.










