د. حسين العالم يكتب الغربال + حين يصالح العقلُ الوحي: كيف يُنقذ تجديدُ الفكر الإسلامي الإنسانَ المعاصر
متابعات مرآة-السودان حين يصالح العقلُ الوحي: كيف يُنقذ تجديدُ الفكر الإسلامي الإنسانَ المعاصر
حين يصالح العقلُ الوحي: كيف يُنقذ تجديدُ الفكر الإسلامي الإنسانَ المعاصر
في عالمٍ تتزاحم فيه الأيديولوجيات، وتتصارع فيه المصالح، وتتشظّى فيه صورة الإنسان بين المادية الجامدة والروحانية المنعزلة، تبدو البشرية وكأنها فقدت البوصلة التي تمنحها التوازن بين العقل والقلب، وبين العلم والأخلاق، وبين الحرية والمسؤولية.
لقد أنتجت الحضارة الحديثة تقدماً مذهلاً في التقنية والعلوم، لكنها في المقابل عمّقت أزمات الإنسان النفسية والروحية، حتى أصبح السؤال الكبير الذي يطارد البشرية اليوم ليس: كيف نعيش؟ بل: لماذا نعيش؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستعيد إنسانيته وسط هذا الضجيج الفكري الهائل؟
في قلب هذا السؤال يبرز الفكر الإسلامي، لا بوصفه خطاباً وعظياً مغلقاً، ولا مجرد تراث تاريخي يُستدعى للتقديس، وإنما باعتباره مشروعاً حضارياً متجدداً، يملك القدرة على إعادة بناء العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والعالم، وبين الإنسان ونفسه. غير أن هذه القدرة تظل معطّلة ما لم يتحرر الفكر الإسلامي من الجمود، وينفتح على التجديد الواعي الذي يعيد وصل النص بالواقع، والعقل بالوحي، والإنسان بمقاصد الدين الكبرى.
إن كلمة “فكر” في أصلها اللغوي مشتقة من الجذر (ف ك ر)، الذي يدل على حركة العقل وانتقاله من معنى إلى معنى، ومن ظاهر الأشياء إلى بواطنها. ولذلك كان الفكر في التصور الإسلامي فعلاً وجودياً عميقاً، لا مجرد نشاط ذهني عابر. وقد جعل القرآن الكريم التفكير والتدبر عبادة، وربط بين الإيمان الحقيقي وإعمال العقل، فقال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
فأولو الألباب هم أصحاب العقول الحية التي لا تكتفي بالمشاهدة السطحية، بل تنفذ إلى المعنى والحكمة والغاية. ولهذا لم يكن الإسلام يوماً ديناً يعادي العقل، بل جاء ليحرره من الخرافة والتقليد الأعمى، وليجعله أداةً لفهم الكون والإنسان والتاريخ.
وقد تكررت في القرآن الكريم الدعوات إلى التفكر والتدبر والنظر والاعتبار بصورة لافتة، حتى عدّ بعض الباحثين مئات الآيات التي تحث على التفكير. يقول الله تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾،
ويقول سبحانه:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
إن هذه الآيات لا تدعو إلى التدين الشكلي، بل إلى بناء عقلٍ متدبر وقلبٍ واعٍ، لأن أزمة الإنسان ليست في نقص المعلومات، وإنما في غياب البصيرة التي تمنحه القدرة على فهم المعنى الحقيقي للحياة.
ولذلك كان النبي ﷺ يؤسس لعقليةٍ ناقدةٍ ومتوازنة حين قال: «الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها».
فالحكمة في الرؤية الإسلامية ليست حكراً على أمة أو حضارة أو جماعة، وإنما هي قيمة إنسانية مشتركة، يأخذها المؤمن حيث وجدها، ما دامت تخدم الحق والخير والعدل.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الفكر الإسلامي وبقية التيارات الفكرية العالمية. فالفكر الديني، والفكر العقلاني، والفكر العلمي، وحتى الأيديولوجيات الاجتماعية والسياسية، كلها تشترك في محاولة الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والوجود والمعرفة. لكنها تختلف في مصادرها ومناهجها وحدودها.
الفكر العلمي مثلاً حقق نجاحاً هائلاً في فهم المادة وتسخير الطبيعة، لكنه ظل عاجزاً عن الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية والروحية العميقة. أما الفكر المادي فقد اختزل الإنسان في حاجاته الاقتصادية وعلاقاته الإنتاجية، بينما بالغت بعض الفلسفات الفردية في تقديس الحرية حتى انتهت إلى العزلة والفراغ الروحي. وفي المقابل، عانى الفكر الديني في بعض مراحله من الانغلاق والجمود وتحويل الاجتهادات البشرية إلى مقدسات لا يجوز الاقتراب منها.
وهنا تظهر الحاجة الملحة إلى “التجديد”، لا بمعنى هدم الثوابت أو تذويب الهوية، بل بمعنى إحياء الفاعلية الحضارية للدين، وإعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصدها الكبرى ومتغيرات العصر.
وقد كان من أبرز من نادوا بهذا الاتجاه المفكر الإسلامي الراحل حسن الترابي، الذي رأى أن أزمة المسلمين ليست في الإسلام ذاته، بل في طريقة فهمهم له. فقد دعا إلى تحرير العقل المسلم من أسر التقليد، وإلى العودة المباشرة إلى القرآن والسنة باعتبارهما مصدرين حيين للهداية والتجديد.
وكان الترابي يرى أن التوحيد ليس مجرد عقيدة نظرية، بل “وحدة منهج” توحد بين الدين والحياة، وبين العبادة والعمل، وبين العلم والأخلاق. ولذلك رفض الثنائية التي تفصل بين الروح والمادة، أو بين الدين والسياسة، أو بين العقل والوحي، مؤكداً أن الإسلام مشروع شامل لبناء الإنسان والحضارة معاً.
ولم يكن الترابي وحده في هذا المسار؛ فقد سبقه وسار معه مفكرون مجددون أمثال محمد إقبال الذي دعا إلى “إعادة بناء الفكر الديني”، ومالك بن نبي الذي ربط النهضة الإسلامية ببناء الإنسان الفاعل، ومحمد عبده الذي رأى أن الإسلام دين العقل والمدنية.
لقد أدرك هؤلاء أن الأزمة الحقيقية ليست أزمة نصوص، بل أزمة عقلٍ توقف عن الحركة، وأصبح يخشى السؤال أكثر مما يخشى الجهل. ولذلك فإن التجديد الحقيقي يبدأ من تحرير الوعي، ومن الاعتراف بأن الفهم البشري نسبي، وأن الاجتهاد ضرورة مستمرة ما دامت الحياة تتغير.
إن أكبر العوائق أمام التقارب الإنساني اليوم ليست اختلاف العقائد بقدر ما هي أمراض النفس والعقل: التعصب، والاستعلاء، والخوف من الآخر، وتحويل الأفكار إلى هويات مغلقة. فحين يتحول الفكر إلى صنم مقدس يفقد الإنسان قدرته على الحوار، ويصبح الاختلاف مدخلاً للصراع لا للتكامل.
بينما يؤسس القرآن لثقافةٍ مختلفة تقوم على التعارف والتنوع والتدافع الإيجابي، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
فالتنوع هنا ليس لعنة، بل سنة كونية تهدف إلى التكامل الإنساني، ولذلك فإن إدارة الاختلاف أخلاقياً تعد من أعظم تحديات العصر.
ومن أجل بناء أفق فكري جامع، يحتاج العالم اليوم إلى جملة من المبادئ العملية التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة بين البشر، مهما اختلفت مرجعياتهم:
أولها: إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه قيمةً لا أداة، فلا يجوز أن تتحول التكنولوجيا أو السياسة أو الاقتصاد إلى وسائل لسحق الإنسان أو تجريده من كرامته.
وثانيها: بناء أخلاق عالمية مشتركة تقوم على العدل والرحمة والحرية والمسؤولية، وهي قيم أكدتها الأديان والفلسفات الإنسانية معاً.
وثالثها: تحرير العقل من التعصب، والاعتراف بأن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد أو جماعة أو أيديولوجيا.
ورابعها: تحويل الدين من حالة جدلٍ نظري إلى قوة أخلاقية وعملية تعالج مشكلات الإنسان الواقعية، من الفقر والظلم إلى التفكك الروحي والأزمات النفسية.
إن البشرية لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الصراع بين الشرق والغرب، أو بين الدين والعلم، بقدر ما تحتاج إلى “عقل متوازن” يجمع بين نور الوحي ودقة العلم وعمق التجربة الإنسانية
وفي هذا تكمن رسالة التجديد الإسلامي الحقيقية: أن يعود الدين قوةً لتحرير الإنسان لا لتقييده، وأن يصبح العقل وسيلةً للهداية لا للتيه، وأن تتحول المعرفة إلى رحمة، لا إلى أداة للهيمنة.
لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تسقط بسبب قلة الموارد، بل بسبب انهيار المعنى داخل الإنسان. وحين يفقد الإنسان معنى وجوده، يصبح التقدم المادي مجرد قشرة براقة تخفي فراغاً داخلياً هائلاً.
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه الفكر الإسلامي المتجدد للعالم اليوم هو إعادة التوازن إلى الإنسان؛ ليعرف أنه ليس جسداً فقط، ولا روحاً فقط، ولا آلة إنتاج، ولا رقماً في سوق الاستهلاك، بل خليفةٌ في الأرض، يحمل عقلاً يفكر، وقلباً يبصر، ورسالةً أخلاقيةً تعمر الحياة بالحق والرحمة والجمال.









