بين حماية البنوك وإنقاذ الاقتصاد.. قرار مركزي السودان يشعل الجدل
مرآة السودان – متابعات – الإثنين 30 مارس 2026
في ظل حرب طويلة أنهكت مؤسسات الدولة وأربكت الاقتصاد، أثار منشور بنك السودان المركزي بشأن تشديد إجراءات تحصيل الديون المتعثرة جدلًا واسعًا، كاشفًا عن صراع واضح بين ضرورة حماية النظام المصرفي وواقع اقتصادي هش لا يحتمل مزيدًا من الضغوط، خاصة على القطاع الخاص الذي يمثل ركيزة النشاط الإنتاجي.
ففي 12 مارس 2026، وجّه البنك المركزي المصارف إلى تفعيل إدارات التحصيل ولجان المتابعة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد الديون، بما في ذلك تسييل الضمانات أو وضع اليد عليها. كما ألزمها بتقديم تقارير شهرية توضح مدى التقدم في معالجة التعثر، مشيرًا إلى أن تقييم أداء الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارات سيعتمد على نتائج هذه الجهود. وبرر القرار بالحاجة إلى الحد من آثار التعثر المصرفي، وضمان استمرار البنوك في أداء دورها الحيوي خلال فترة الحرب، تمهيدًا لمرحلة إعادة الإعمار.
وتعكس هذه الخطوة توجهًا أكثر صرامة من البنك المركزي لحماية الجهاز المصرفي من الانهيار، عبر تعزيز الانضباط المالي وتقليل المخاطر الناتجة عن تراكم الديون غير المسددة. غير أن هذا التوجه قوبل بانتقادات واسعة، إذ اعتبر “التجمع الاتحادي” أن الإجراءات تتجاهل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وأشار البيان إلى أن القطاع الخاص تعرض لضربة قاسية تمثلت في تدمير ونهب الأصول الإنتاجية، وتعطّل المصانع، وفقدان رؤوس الأموال، ما أدى إلى انهيار سلاسل الإمداد واتساع دائرة التعثر. وحذر من أن تشديد التحصيل، خاصة عبر المطالبة الفورية بالسداد أو تسييل الضمانات، قد يؤدي إلى تعميق الركود الاقتصادي وتسريع خروج الشركات من السوق، بما يضعف فرص التعافي ويؤثر سلبًا على بيئة الاستثمار.
كما لفت إلى مخاطر إعادة توزيع الأصول في ظل بيئة غير متكافئة، مشيرًا إلى أن تجارب دول أخرى واجهت أزمات مشابهة اعتمدت سياسات أكثر مرونة، مثل إعادة جدولة الديون ومنح فترات سماح وتقديم تمويلات ميسرة، للحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي.
من جانبه، وصف رجل الأعمال صادق حاج علي القرار بأنه “غير مدروس”، موضحًا أن البنوك فقدت نحو 70% من قيمة التمويلات بسبب تدهور العملة وتعطل الدورة الاقتصادية، بينما تكبد القطاع الخاص خسائر جسيمة. ورغم تأكيده أهمية استرداد أموال المودعين، دعا إلى إيجاد توازن بين متطلبات الاستقرار المالي والواقع الاقتصادي، مقترحًا تشكيل لجنة مشتركة تضم البنك المركزي والبنوك والقطاع الخاص وخبراء اقتصاديين للوصول إلى حلول توافقية.
وفي السياق ذاته، اعتبر عبد المنعم الطيب أن الإجراءات تمثل “ضغطًا غير عادل”، مؤكدًا أن معالجة الإعسار في أوقات الحرب يجب أن تقوم على دعم المنتجين وتمكينهم من الاستمرار، لا عبر العقوبات أو مصادرة الأصول. وشدد على أن أسباب التعثر مرتبطة بالحرب وانهيار العملة، ما يتطلب حلولًا تعزز الإنتاج بدلًا من تقليصه.
ويحذر خبراء من أن هذه السياسات قد تعيق عودة المستثمرين ورجال الأعمال، في ظل مخاوف من فقدان ممتلكاتهم أو عدم القدرة على سداد الالتزامات. كما انتقدوا غياب التشاور مع القطاع الخاص، ما قد يضعف فرص نجاح القرار ويهدد استقرار بعض البنوك الهشة.
في المحصلة، تبدو القضية أكبر من مجرد إجراءات مصرفية، إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة اقتصاد في زمن الحرب دون الإضرار بالقطاع الخاص أو تعريض النظام المصرفي لمخاطر إضافية. ويبقى إنهاء الحرب الشرط الأساسي لأي إصلاح اقتصادي فعّال، في ظل بيئة إنتاجية تعاني من التدهور والانقسام










