
بعد سد النهضة.. فاتورة جديدة تطرق أبواب القاهرة والخرطوم
تتجه أزمة مياه النيل بين إثيوبيا ومصر والسودان إلى مرحلة أكثر حساسية، بعدما دخل ملف المياه في دائرة التصعيد السياسي والقانوني، بالتزامن مع طرح أفكار إثيوبية تتحدث عن تسعير مياه النيل ومطالبة دول المصب بدفع مقابل مالي نظير استخدام المياه.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من الخلافات حول سد النهضة الإثيوبي وقواعد الملء والتشغيل، وسط مخاوف مصرية وسودانية من تحوّل إدارة مياه النهر إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية.
من يملك قرار تدفق النيل؟
أثارت تصريحات لمسؤولين إثيوبيين بشأن إمكانية التحكم في تدفقات مياه النيل وبناء مزيد من السدود، دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع مصر والسودان، مخاوف جديدة لدى دولتي المصب.
وتنظر القاهرة والخرطوم إلى أي إجراءات أحادية تتعلق بتدفقات النهر باعتبارها مسألة تتجاوز التنمية واستغلال الموارد، وتمس بصورة مباشرة أمنهما المائي ومصالحهما الحيوية.
اتفاقية عنتيبي تعيد الخلاف إلى الواجهة
تزامن ذلك مع دخول اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل «عنتيبي» مرحلة جديدة بعد تفعيلها من جانب عدد من دول الحوض وإنشاء مفوضية دائمة لإدارة شؤون النهر.
وتتحفظ مصر والسودان على الاتفاقية، ويتمسكان بما يعتبرانه حقوقاً واتفاقات تاريخية تنظم استخدام مياه النيل، وفي مقدمتها اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين البلدين، التي حددت نصيب مصر بـ55.5 مليار متر مكعب والسودان بـ18.5 مليار متر مكعب سنوياً.
ما سر الحديث عن «تسعير المياه»؟
الجانب الأكثر إثارة للجدل يتمثل في الدعوة الإثيوبية إلى الحصول على مقابل مالي نظير مياه النيل.
فقد أثارت تصريحات وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو جدلاً واسعاً، بعدما دعا إلى مطالبة مصر والسودان بتعويضات أو مقابل مالي عن استخدام مياه النيل، مستنداً إلى أن الجزء الأكبر من مياه النهر يأتي من الهضبة الإثيوبية، ولا سيما النيل الأزرق.
وتستند بعض الطروحات الإثيوبية إلى أن نحو 86% من إيراد مياه النيل يأتي من المرتفعات الإثيوبية، الأمر الذي تستخدمه أديس أبابا في طرح مفهوم جديد يقوم على أن الدولة التي تنبع منها المياه ينبغي أن تحصل على مقابل اقتصادي.
هل تتحول المياه إلى سلعة؟
هنا تكمن خطورة التطور الجديد.
فإذا انتقل النقاش من تقاسم المنافع والاستخدام المنصف لمياه النهر إلى فرض رسوم أو مقابل مالي على المياه، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تغيير طبيعة الصراع من خلاف حول إدارة مورد مائي مشترك إلى نزاع حول ملكية المياه وتسعيرها.
وترى القاهرة والخرطوم أن الأنهار الدولية لا يمكن التعامل معها باعتبارها سلعة مملوكة لدولة واحدة، بينما يشدد خبراء في القانون الدولي للمياه على أن إدارة الأنهار العابرة للحدود تقوم على مبادئ التعاون والانتفاع المنصف وعدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى.
من سد النهضة إلى «فاتورة النيل»
وبذلك، يبدو أن أزمة النيل لم تعد محصورة في سؤال: كيف يُدار سد النهضة؟
بل بدأت تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً:
هل تتجه إثيوبيا إلى تحويل مياه النيل من مورد مشترك إلى أصل اقتصادي يمكن تسعيره؟
وإذا تطور هذا الطرح من مجرد تصريحات سياسية إلى سياسة رسمية، فقد تدخل مصر والسودان وإثيوبيا مرحلة جديدة من الخلاف، عنوانها هذه المرة ليس فقط سد النهضة، وإنما من يملك حق تحديد قيمة مياه النيل؟











