ليلة في حضرة “شيخ العرب”.. صالون الإبداع يكتب فصلاً جديداً من الوفاء
متابعات مرآة-السودان : ليلة في حضرة "شيخ العرب".. صالون الإبداع يكتب فصلاً جديداً من الوفاء

ليلة في حضرة “شيخ العرب”.. صالون الإبداع يكتب فصلاً جديداً من الوفاء

في أمسية امتزج فيها الوفاء بالتوثيق، واستحضار التاريخ باستشراف المستقبل، احتفى صالون الإبداع للثقافة والتنمية بالعاصمة المصرية القاهرة بتدشين ثلاثة كتب توثق لسيرة أحد أبرز رجالات السودان الوطنية والسياسية والاجتماعية، الراحل الدكتور عمر نور الدائم، الذي ظل اسمه محفوراً في الوجدان السوداني بوصفه رمزاً للحكمة والاعتدال والتواضع والكرم، حتى استحق عن جدارة لقب “شيخ العرب” الذي منحه له الناس قبل أن تمنحه المؤسسات أو المناصب.
وشهدت الأمسية حضوراً سياسياً وثقافياً وإعلامياً لافتاً، عكس المكانة التي احتلها الراحل في الحياة العامة، وجاءت الكتب الثلاثة بعنوان «ملامح شخصية الراحل الدكتور عمر نور الدائم» للأستاذ عبدالمحمود أبو، و**«عرس الرحيل»** و**«من الركاب إلى التراب»** للأستاذ عوض أبوالمعالي، لتشكل مشروعاً توثيقياً متكاملاً يحفظ ذاكرة رجل ظل لعقود طويلة أحد أبرز صناع القرار ورموز العمل الوطني في السودان.

ولعل أكثر ما أضفى على المناسبة بعداً إنسانياً عميقاً، كلمة ابنته الأستاذة نون عمر نور الدائم، التي تحدثت عن والدها بلسان الابنة والشاهدة على تفاصيل حياته، مؤكدة أن ما قدمته ليس مجرد حديث عاطفي، وإنما شهادة للتاريخ عن رجل عاش مؤمناً بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه للناس لا فيما يتقلده من مناصب.
وقالت إن والدها ارتبط بالجماهير ارتباطاً وثيقاً، حتى أصبحت أفراح الناس وأحزانهم جزءاً من حياته، وكان عطاؤه بلا حدود، لذلك لم يكن غريباً أن يمنحه السودانيون لقب “شيخ العرب”، وهو لقب صنعته محبة الناس قبل أي شيء آخر.
واستعرضت جوانب إنسانية قلّما تناولتها الكتابات السياسية، مشيرة إلى أنه ربّى أبناءه على المساواة بين الذكور والإناث، وأصر على تعليمهم في المدارس الحكومية، وغرس فيهم قيم الحوار واحترام الرأي الآخر، كما ظل بيته مفتوحاً لكل السودانيين دون تمييز في قبيلة أو جهة أو انتماء سياسي.

وروت موقفاً يجسد شخصيته، عندما رفض أثناء توليه وزارة الزراعة وضع حراسة أمنية أمام منزله، قائلاً: “هذا البيت مفتوح لكل السودانيين… هؤلاء الناس هم حمايتي الحقيقية.”
كما كشفت عن بساطته الشديدة واعتزازه بالهوية السودانية، إذ ظل يرتدي الجلابية والعِمامة السودانية حتى في لقاءاته مع رؤساء وملوك العالم، مؤمناً بأن البساطة لا تنتقص من مكانة الإنسان.
وتحدثت عن شغفه بالقراءة، وإجادته العربية والإنجليزية والألمانية، وحبه للمديح النبوي، واهتمامه بالفكر والثقافة، وروحه المرحة التي كانت تنشر البهجة بين أسرته وكل من عرفه، إضافة إلى كرمه الذي أصبح مضرباً للأمثال حتى قيل عنه إنه “يخرج يده من جيبه ليضعها في جيب غيره”.

وأكدت أن والدها كان محبوباً حتى لدى خصومه السياسيين، وأن علاقاته الإنسانية تجاوزت حدود الأحزاب، فجمعته روابط احترام وتقدير مع مختلف القيادات الوطنية، من الإمام الصادق المهدي إلى السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق وغيرهم، لأنه كان يرى أن السودان أكبر من الخلافات السياسية.
وخلال تقديم كتاب «ملامح شخصية الراحل الدكتور عمر نور الدائم»، استعرض المحامي حاتم أحمد خورشيد، بمشاركة الإعلامية إيمان بركية، الجوانب التاريخية والاجتماعية في حياة الراحل، متناولاً نسبه الذي يجمع بين الجعليين والمحس والحسانية، باعتباره نموذجاً حياً للتنوع السوداني، كما توقف عند الروايات الشعبية المرتبطة بالحسانية، والدور التاريخي الذي لعبته منطقة نعيمة، إلى جانب إبراز خصاله في الكرم والشجاعة والتواضع ونصرة المحتاج.

أما الأستاذ عبدالمحمود أبو، الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار، فقد تناول في عرضه للكتاب الثاني المسيرة السياسية للدكتور عمر نور الدائم، مؤكداً أنه كان من أبرز القيادات التي ساهمت في صناعة القرار داخل حزب الأمة، ومن أقرب الشخصيات إلى الإمام الصادق المهدي، كما لعب أدواراً محورية في ترسيخ العمل المؤسسي والديمقراطي داخل الحزب، وأسهم في بناء التجربة السياسية السودانية خلال المراحل الديمقراطية.
وفي كلمة مؤثرة، أكد الأستاذ حاتم السر علي، مستشار رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، أن الحديث عن عمر نور الدائم يمثل حديثاً عن جيل كامل من السياسيين الذين جعلوا الأخلاق أساساً للعمل العام، مشيراً إلى أن الراحل كان من القلائل الذين استطاعوا أن يكسبوا احترام الخصوم قبل الأصدقاء.
وقال إن عمر نور الدائم كان جسراً بين القوى الوطنية المختلفة، وأسهم في تعزيز العلاقات بين حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، وظل خلال سنوات المعارضة الطويلة أحد أبرز الداعين إلى الحوار والوحدة الوطنية، مؤمناً بأن السودان لا يمكن أن يبنى إلا بالشراكة بين جميع مكوناته.
وأضاف أن الراحل تولى مسؤوليات دستورية وحزبية كبيرة، وأدار ملفات سياسية ومالية بالغة الحساسية، لكنه غادر الحياة نظيف اليد، عفيف النفس، دون أن يترك وراءه ثروة أو امتيازات، وإنما ترك سيرة ناصعة أصبحت نموذجاً للنزاهة والزهد في السلطة.
وأشار إلى أن الدكتور عمر نور الدائم ظل طوال حياته يدافع عن الديمقراطية، ويؤمن بأن الاحتكام إلى إرادة الشعب والحوار الوطني هو الطريق الوحيد لاستقرار السودان، داعياً الأجيال الجديدة إلى استلهام سيرته باعتبارها مدرسة في الأخلاق والعمل الوطني.
وتواصلت الكلمات و كان من أبرزها كلمة الأستاذة رندة الصادق المهدي، التي استحضرت مآثر الراحل، ووفاءه للإمام الصادق المهدي، ودوره في ترسيخ قيم الحكمة والاعتدال، مؤكدة أن السودان فقد برحيله أحد رجالاته الذين جمعوا بين نقاء السريرة وصدق الموقف، وأن سيرته ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة.
ولم تكن الكلمات وحدها هي التي تحدثت عن “شيخ العرب”، بل تكفلت الفنون أيضاً برواية جانب من سيرته؛ إذ صدحت حناجر الفنان الأمين خلف الله والفنان شمت محمد نور بأغانٍ وطنية وشجية أعادت إلى الأذهان زمناً كان فيه العمل العام أكثر التصاقاً بالناس، فيما لامس العرض المسرحي المؤثر “دراما الحزن الأبيض” قلوب الحاضرين، مجسداً مشاهد الفقد والوفاء بلغة فنية بليغة، قبل أن تزيد القراءات الشعرية حرارة المشهد، فتتعالى التصفيقات وتمتزج بدموع التأثر، في لوحة إنسانية أكدت أن عمر نور الدائم لم يكن مجرد سياسي بارز، بل كان قيمة وطنية وإنسانية تجاوزت حدود الأحزاب والانتماءات.
وهكذا لم يكن تدشين الكتب الثلاثة مجرد احتفاء بإصدارات جديدة، وإنما كان احتفاءً بسيرة رجلٍ استطاع أن يجعل من السياسة رسالة أخلاق، ومن القيادة خدمة للناس، ومن الاختلاف جسراً للحوار. وغادر الحضور القاعة وقد حمل كل منهم شيئاً من سيرة “شيخ العرب”، مؤمنين بأن الرجال لا تُخلدهم المناصب ولا الألقاب، وإنما تخلدهم المواقف الصادقة، وأن الدكتور عمر نور الدائم ترك للسودان إرثاً من النزاهة والوفاء والوطنية سيظل حاضراً في ذاكرة الأجيال. لقد أسدل الستار على الأمسية، لكن قصة “شيخ العرب” بقيت مفتوحة في قلوب محبيه، شاهدة على أن الأوطان تبقى ما بقي فيها رجال يصنعون المحبة قبل السلطة، ويورثون القيم قبل المناصب.












