السودان والسيناريو اليمني.. هل تعيد الرياض رسم استراتيجيتها في الخرطوم؟
متابعات-مرآة السودان
في ظل التعقيدات المتسارعة التي تعصف بالسودان، يبرز تساؤل جوهري في الدوائر السياسية: هل تستنسخ السعودية تجربتها في اليمن للتعامل مع الأزمة السودانية؟ أم أن “حسابات الخرطوم” تفرض معادلة مغايرة تماماً تبتعد عن لغة الحسم العسكري وتقترب من أروقة الدبلوماسية الهادئة؟
مقاربة بين ساحتين: تشابه الدوافع واختلاف الأدوات
لا يأتي الربط بين الملفين من فراغ؛ فكلاهما يمس مباشرةً الأمن القومي السعودي، واستقرار منطقة البحر الأحمر، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي. ومع ذلك، ثمة فوارق جوهرية ترسم حدود التحرك السعودي:
• الجغرافيا السياسية: بينما يمثل اليمن “الحدود المباشرة” والعمق الاستراتيجي اللصيق، يمثل السودان “شريك الضفة المقابلة” المهم لأمن الممرات المائية والاستثمارات الزراعية.
• طبيعة الصراع: في اليمن، كان الانقسام بين حكومة شرعية وحركة مسلحة ذات أيديولوجيا محددة، أما في السودان، فالصراع أكثر تعقيداً بتداخلاته العسكرية والقبلية والمؤسسية.
لماذا يستبعد المراقبون “الخيار العسكري”؟
تشير المعطيات الحالية إلى أن الرياض ليست بصدد تكرار التدخل العسكري المباشر الذي شهده اليمن عام 2015، وذلك لعدة أسباب استراتيجية:
1. التحول الاستراتيجي السعودي: تتبنى المملكة حالياً سياسة “صفر مشاكل” والتركيز على التنمية الاقتصادية (رؤية 2030)، مما يجعلها تميل لتبريد الصراعات الإقليمية بدلاً من الانخراط فيها.
2. دروس التجربة اليمنية: التكاليف الباهظة وطول أمد النزاع في اليمن دفعا صناع القرار في الرياض لتفضيل دور “الوسيط والميسر”، وهو ما تجلى في استضافة “منصات حوار” بين الأطراف السودانية.
3. التوازن الإقليمي: تدرك السعودية أن السودان منطقة نفوذ مشتركة مع قوى وازنة مثل مصر، مما يفرض تنسيقاً دقيقاً يحفظ توازن القوى ويمنع انزلاق المنطقة نحو فراغ سياسي.
المصالح الاقتصادية.. المحرك الصامت
بعيداً عن لغة الرصاص، يظل الاقتصاد هو اللاعب الأهم. فالسودان بموارده الضخمة وموقعه على البحر الأحمر يمثل فرصة استثمارية كبرى للرياض. استمرار الحرب يعني تآكل هذه الفرص، وهو ما يدفع السعودية للضغط باتجاه استعادة الدولة لمؤسساتها لضمان بيئة آمنة للاستثمار طويل الأمد.
الخلاصة: مقاربة “الضغط والاحتواء”
إن السؤال لم يعد “هل يتكرر سيناريو اليمن؟” بل “كيف ستصيغ السعودية دوراً قيادياً ينهي الأزمة دون تورط ميداني؟”. المؤشرات تؤكد أن الدور السعودي في السودان يتجه نحو:
• الدعم الإنساني المكثف.
• الوساطة الدبلوماسية رفيعة المستوى.
• الضغط الدولي لمنع التدخلات الأجنبية الضارة.
في نهاية المطاف، يبدو أن الرياض استوعبت دروس الماضي جيداً؛ فالسودان بتركيبته الفريدة يحتاج إلى “جراحة دبلوماسية” دقيقة لا إلى تدخلات خشنة، ليبقى المشهد مفتوحاً على قدرة الأطراف المحلية والدولية في الوصول إلى تسوية تعيد للخرطوم عافيتها.
المصدر : صحيفة الزول الإخبارية










